حراس الذاكرة.. الأرشيف بين نيران الحروب وثورة الرقمنة
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تتجه أنظار العالم في التاسع من يونيو من كل عام نحو الاحتفاء بـ “اليوم العالمي للأرشيف”، وهو تقليد راسخ أقرته اليونسكو والمجلس الدولي للأرشيف منذ عام 2007. في هذا اليوم، نتوقف لنتأمل قيمة تلك الكنوز المعرفية التي تشكل الركيزة الأساسية لحفظ الذاكرة الجماعية للأمم. فالوثائق المؤرشفة لم تكن يوماً مجرد أوراق صفراء مكدسة في خزائن مظلمة يعلوها الغبار، بل هي نبض التاريخ، وأدلة حية، وشواهد قانونية وثقافية تضمن حقوق الشعوب وتوثق مسيرتها عبر العصور.
واليوم، ونحن نشهد انطلاق أسبوع الأرشيف الدولي لعام 2026 تحت شعارات العدالة والشفافية وإتاحة المعلومات، نجد أنفسنا أمام مفترق طرق؛ فبينما يندفع العالم نحو المستقبل متسلحاً بالتكنولوجيا لحفظ ذاكرته، هناك دول تدفع ضريبة الدم والنار، وتحترق معها صفحات لا تُعوض من تاريخها، وفي مقدمتها السودان.
تُجمع الرؤى الأكاديمية والمهنية على أن المستندات التاريخية تمثل خط الدفاع الأول عن الهوية الثقافية والوطنية لأي مجتمع معاصر. إن الاهتمام بالأرشيف يتجاوز فكرة “الحفظ” ليلامس قضايا إنسانية وحقوقية بالغة الحساسية، فهو يلعب دوراً محورياً في تحقيق العدالة الانتقالية، وحفظ حقوق المجتمعات، وإبراز نضالها التاريخي الممتد.
إن ترك هذه الكنوز دون تنظيم علمي دقيق أو إهمالها، يؤدي حتماً إلى ضياع حقوق الأجيال القادمة وتشويه الحقائق الراسخة. فالدول التي تدرك قيمة جمع المخطوطات وتصنيفها هي الأقدر على صياغة مستقبلها بأسس معرفية صلبة. ومن هنا، تحولت مهنة “الأرشيفي” من وظيفة روتينية إلى رسالة إنسانية سامية تهدف إلى حماية الوعي الجماعي من التزييف والنسيان.
في خضم هذا الاحتفاء العالمي، لا يمكننا أن نغض الطرف عن المأساة التي تعيشها الذاكرة الوطنية في السودان. فالبلاد التي تخوض حرباً طاحنة لم تفقد أبناءها وبنيتها التحتية فحسب، بل طالت نيران الصراع قلب هويتها: أرشيفها الوطني وتراثها الوثائقي.
لقد تعرضت دور الوثائق، والمتاحف، والمراكز الثقافية السودانية لتهديدات وجودية غير مسبوقة، تنوعت بين التدمير العشوائي، والنهب، والحرائق. إن ضياع وثيقة تاريخية سودانية واحدة هو بتر لجزء من ذاكرة القارة الأفريقية والعالم العربي بأسره. الحرب في السودان لم تمزق الحاضر فقط، بل تسعى—بقصد أو بدون قصد—إلى محو الماضي، مما يجعل من مسألة إنقاذ الأرشيف السوداني تدخلاً إنسانياً عاجلاً لا يقل أهمية عن الإغاثات الطبية والغذائية، فموت الذاكرة هو أشد أنواع الفناء.
أمام التهديدات الطبيعية والبشرية، لم يعد التحول الرقمي ترفاً يمكن تأجيله، بل ضرورة حتمية لضمان بقاء الوثائق. إن دمج التقنيات الحديثة في العمل الأرشيفي يعيد تشكيل الذاكرة الإنسانية بطرق مبتكرة، ومنها استخدامات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، تسهم هذه التقنيات في رفع كفاءة الحوكمة، وتسريع الوصول الآمن إلى البيانات المعقدة، وضمان عدم التلاعب بالسجلات، بالإضافة إلى الحماية السيبرانية، حيث يتطلب الانتقال إلى التخزين السحابي بناء أنظمة أمان فائقة التطور لصد الهجمات الإلكترونية وحماية التراث الرقمي من التخريب، وباتت الحاجة ماسة لجيل جديد من الأرشيفيين يجمع بين عبق المعرفة التقليدية ومهارات البرمجة المتقدمة لإدارة السجلات بكفاءة تخدم التنمية المستدامة.
لحماية الذاكرة السودانية من الاندثار التام في ظل هذه الظروف الاستثنائية، يجب تبني استراتيجية طوارئ شاملة تتضمن خطوات عملية وحاسمة تشمل الرقمنة الإسعافية العاجلة بإطلاق حملات طارئة لرقمنة ما تبقى من الوثائق والمخطوطات في المناطق الآمنة، باستخدام معدات تصوير متنقلة وسريعة والاستضافة السحابية الآمنة (سفارات البيانات) بإنشاء نسخ احتياطية رقمية للأرشيف السوداني واستضافتها في خوادم سحابية دولية محايدة ومشفرة، تضمن بقاء البيانات حتى لو دُمرت الأصول الورقية.
التدريب على إدارة الأزمات بتأهيل الكوادر السودانية على بروتوكولات الإنقاذ السريع للوثائق في مناطق النزاع، وكيفية إخلائها وحفظها المؤقت، وتفعيل الشراكات الدولية ودور المنظمات الدولية (مثل اليونسكو) لتوفير الدعم المالي والتقني، وفرض حماية قانونية دولية صارمة تجرم المساس بدور الوثائق والمحفوظات أثناء النزاعات.
في الختام، يضعنا “اليوم العالمي للأرشيف” أمام مسؤولية تاريخية. إن صيانة الوثائق ليست عبئاً يقع على كاهل المؤسسات الأكاديمية وحدها، بل هي قضية مجتمعية ترتبط بالنزاهة، والمساءلة، وحقوق الإنسان.
إن الاستثمار في إنقاذ الأرشيف—وخاصة في مناطق النزاع كالسودان—وتحديثه رقمياً، هو الضمانة الوحيدة لبقاء الشواهد التاريخية حية. فلنجعل من هذه الوثائق جسراً معرفياً متيناً يربط ماضي البشرية العريق، بحاضرها المأزوم، ومستقبلها المشرق الذي نأمل أن يسوده السلام.
“ديمغرافية أقاليم السودان وتناسبها مع النظام اللامركزي”
من أهم الوصايا التي خلّفها من تولّوا إدارة الحكم في السودان خلال فترات الديمقراطية الأولى …





