واحد وثلاثون توصية.. والمخدرات غائبة عنها
زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة

انعقد المؤتمر القومي الثاني لقضايا الشباب بمدينة كسلا على مدى ثلاثة أيام ، وخرج بعدد من التوصيات التي قيل إنها تعبر عن هموم الشباب وتطلعاتهم ، ولا خلاف حول أهمية مثل هذه المؤتمرات التي تجمع الشباب وتتيح لهم فرصة مناقشة قضاياهم في مرحلة دقيقة يمر بها السودان ، حيث تتعرض هذه الفئة لمحاولات الاستقطاب والتوجيه وصرفها عن أدوارها الوطنية والتنموية ،
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ، كيف يمكن لمؤتمر يناقش قضايا الشباب أن لا يفرد المساحة الاكبر لأخطر قضية تهدد الشباب السوداني اليوم؟ ،
المخدرات لم تعد مجرد ظاهرة محدودة أو مشكلة تخص مناطق بعينها ، بل أصبحت واقعًا مؤلمًا يتمدد في المدن والقرى والأحياء على حد سواء ، لم يعد الحديث عنها من باب المبالغة أو التهويل ، فالمشاهد اليومية والتقارير الأمنية وشهادات الأسر تؤكد أن السودان يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في الانتشار المتزايد للمواد المخدرة وسط الشباب.
إذا كانت الحروب تقتل الأجساد ، فإن المخدرات تقتل العقول والإرادة والمستقبل ، فهي لا تسلب الشاب صحته فقط ، بل تدفعه إلى الانقطاع عن التعليم ، وتضعفه اقتصاديًا ، وتجعله أكثر عرضة للجريمة والعنف والتفكك الأسري ، والأسوأ من ذلك أنها تحرم المجتمع من طاقات كان يمكن أن تسهم في البناء والإنتاج والتنمية.
في ولاية كسلا تحديدًا الولاية المستضيفة ، لا يخفى على أحد حجم القلق المتزايد من انتشار المخدرات وتنوع أشكالها وازدياد المتورطين في تعاطيها أو الاتجار بها ، وأصبحت القضية حديث الأسر والمدارس والأحياء ، بعد أن تجاوزت حدود الظاهرة الفردية لتصبح تهديدًا اجتماعيًا واسع النطاق ، ولذلك كان من الطبيعي أن تحظى هذه القضية بمساحة كبيرة داخل مؤتمر يناقش مستقبل الشباب ، لا ان تحضر في المداولات على استحياء ، وتغيب عن التوصيات وكأنها ليست من أولويات المرحلة.
وقد زاد من علامات الاستفهام أن وكيل وزارة الشباب والرياضة الاتحادي ، لدى تلاوته توصيات ومخرجات المؤتمر ، استعرض واحدًا وثلاثين توصية إلى جانب عدد من المخرجات الأخرى ، دون أن تتضمن أي منها إشارة واضحة أو معالجة مباشرة لقضية المخدرات ، وهو أمر يثير التساؤل حول أولويات المؤتمر ، خاصة أن هذه الآفة أصبحت تمثل خطرًا حقيقيًا يهدد شريحة الشباب ويقوض فرص الاستفادة من طاقاتهم في البناء والتنمية.
إن مواجهة المخدرات لا تبدأ بحملات المداهمة وحدها رغم أهميتها ، وإنما تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشارك فيها الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة ، ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني ، فالتوعية المبكرة وفتح مسارات التعليم والتدريب والعمل أمام الشباب ، وتوفير الأنشطة الرياضية والثقافية ، وتشديد العقوبات على المروجين والتجار ، كلها أدوات ضرورية في معركة حماية الأجيال ، كما أن الاعتراف بحجم المشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو معالجتها ، أما تجاهلها أو التقليل من خطرها فلن يؤدي إلا إلى اتساع رقعتها وتعقيد آثارها.
الشباب هم ثروة السودان الحقيقية ، وأي حديث عن مستقبل الوطن يجب أن يبدأ بحماية هذه الثروة من كل ما يهددها ، لذلك كان من الأجدر أن تخرج المؤتمرات الشبابية بخطة واضحة لمكافحة المخدرات قبل أن تخرج بعشرات التوصيات العامة التي قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ ، فالمخدرات اليوم ليست قضية بسيطة يمكن تأجيلها ، بل معركة مصيرية تتعلق بمستقبل جيل كامل، ومستقبل وطن بأكمله… لنا عودة.
الأزمة السودانية بين صبر المواطن وبسالة القوات المسلحة.. إلى أين تتجه البلاد بعد المبادرات والتفاوض؟
يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع ميادين القتا…





