كردفان تكتب الفصل الجديد… عندما يتغير ميزان الميدان ويُرسم مستقبل السودان
حديث الساعة إلهام سالم منصور

لم تكن الانتصارات التي أُعلن عنها في كردفان مجرد تقدم عسكري في خارطة العمليات، بل جاءت لتفتح صفحة جديدة في مسار الحرب السودانية، ولتبعث برسائل تتجاوز حدود الميدان إلى الداخل والخارج. فالحروب لا تُقاس فقط بعدد المدن التي تُستعاد، وإنما بما تفرضه من معادلات سياسية وأمنية جديدة، وما ترسمه من ملامح للمرحلة القادمة.
لقد مثلت العمليات الأخيرة التي أعلنت عنها القوات المسلحة في شمال كردفان نقطة تحول مهمة، لما تتمتع به المنطقة من موقع استراتيجي يربط غرب السودان بوسطه وشماله، ويؤثر بصورة مباشرة في خطوط الإمداد وحركة القوات. لذلك فإن أي تقدم فيها يحمل أبعاداً عسكرية تتجاوز حدود الولاية نفسها، وينعكس على مجمل مسرح العمليات.
ولعل ما منح هذه الانتصارات زخماً أكبر هو تزامنها مع تأكيد القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن تجربة الدعم السريع لن تتكرر. فهذا التصريح لا يمكن قراءته باعتباره حديثاً عابراً، بل هو إعلان عن رؤية جديدة لمستقبل المؤسسة العسكرية، قوامها جيش وطني واحد، يخضع لقيادة موحدة، ويحتكر حمل السلاح دفاعاً عن الدولة والدستور.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن تعدد مراكز القوة العسكرية يضعف الدولة، ويجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات والصراعات. ومن هنا، فإن بناء مؤسسة عسكرية موحدة أصبح مطلباً وطنياً قبل أن يكون خياراً سياسياً، لأن الأمن لا يستقر إلا بوجود جيش مهني قادر على حماية الحدود وصون السيادة.
أما كردفان، فهي اليوم ليست مجرد ساحة معركة، وإنما مفتاح لمرحلة جديدة. فاستقرارها يفتح الطريق أمام عودة الخدمات، ويعيد الأمل للمزارعين والرعاة والتجار، ويمنح آلاف الأسر النازحة فرصة للعودة إلى ديارها بعد شهور طويلة من المعاناة.
غير أن الانتصار العسكري، مهما بلغت أهميته، لن يحقق أهدافه كاملة ما لم يعقبه انتصار في معركة البناء. فالسودان يحتاج اليوم إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإحياء الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي، وتحقيق العدالة وسيادة القانون، حتى لا تتحول تضحيات الميدان إلى مجرد صفحات في كتب التاريخ.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على الجميع مسؤولية وطنية مضاعفة، تتمثل في نبذ خطاب الكراهية، وإغلاق أبواب الفتنة، والعمل على توحيد الصف الوطني، لأن الدول تُبنى بالتكاتف، لا بالانقسام، وبالمؤسسات، لا بالأشخاص.
لقد دخل السودان مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة وترسيخ هيبتها. وما تحقق في كردفان قد يكون بداية لمسار أوسع، إذا أُحسن استثماره سياسياً وأمنياً وتنموياً. فالمواطن السوداني لا ينتظر فقط أخبار الانتصارات، بل ينتظر اليوم الذي يرى فيه أبناء وطنه يعودون إلى مدارسهم وحقولهم وأعمالهم، ويعيشون في أمن وسلام.
إن ما يحدث اليوم يثبت أن قوة الدولة لا تُقاس بالسلاح وحده، وإنما بقدرتها على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع وطني شامل، يحفظ وحدة السودان، ويؤسس لسلام دائم، ويضمن ألا تتكرر التجارب التي دفعت البلاد ثمنها غالياً.
حفظ الله السودان، ورحم شهداءه، وشفى جرحاه، وجعل راية الوطن خفاقة بالعزة والسلام.
الاحد ٢٦يوليو٢٠٢٦
لماذا الإعتداء على الأطباء في المستشفيات؟! عادل عسوم
(كتبت هذا المقال قبل سنوات عندما تم إصدار قانون لحماية الأطباء في عهد حكومة الدكتور حمدوك …





