‫الرئيسية‬ مقالات عندما تصبح الهوية الوطنية ضحية للفساد السياسي: قراءة سودانية في جريمة هزّت بريطانيا
مقالات - ‫‫‫‏‫16 ساعة مضت‬

عندما تصبح الهوية الوطنية ضحية للفساد السياسي: قراءة سودانية في جريمة هزّت بريطانيا

الدكتور أحمد عبد الله إسماعيل

أثارت الجريمة المروعة التي شهدتها المملكة المتحدة مؤخراً، والتي نُسب مرتكبها إلى السودان من خلال الوثائق التي يحملها، موجة واسعة من الصدمة والاستنكار. وفي الوقت الذي نتقدم فيه بخالص التعازي والتضامن مع الضحايا وأسرهم، ونعبر عن تضامننا الكامل مع الشعب البريطاني وحكومته في مواجهة هذه الجريمة، فإننا نؤكد أن العنف والكراهية والتطرف تظل أفعالاً مدانة أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً، بغض النظر عن جنسية مرتكبيها أو خلفياتهم.

 

لكن هذه الحادثة تطرح سؤالاً أكثر عمقاً من الجريمة نفسها: ماذا يحدث عندما تتحول الهوية الوطنية إلى ضحية للفساد السياسي وسوء إدارة الدولة؟

 

على امتداد ثلاثة عقود من حكم نظام الإنقاذ في السودان، تعرضت مؤسسات الدولة لتشوهات عميقة لم تقتصر على الاقتصاد أو السياسة أو الخدمة المدنية، بل امتدت إلى أحد أخطر الملفات السيادية على الإطلاق: ملف الجنسية والهوية الوطنية والوثائق الرسمية.

 

لقد أُضعفت المعايير القانونية والإدارية التي تحكم منح الجنسية السودانية خلال سنوات طويلة من الحكم الشمولي، وأصبح هذا الملف، في كثير من الأحيان، خاضعاً لحسابات سياسية وأمنية ومصلحية أضرت بمصداقية الوثائق السودانية وأثرت سلباً على صورة السودان في الخارج. ولم تكن النتيجة مجرد خلل إداري، بل أزمة تراكمية دفعت المواطن السوداني الشريف ثمنها في صور متعددة من الشكوك والقيود والوصم الجماعي.

 

إن ملايين السودانيين الذين يعيشون داخل البلاد وخارجها لا يجوز أن يتحملوا تبعات سياسات لم يشاركوا في صنعها، ولا أن يُختزل تاريخ شعب كامل في أفعال أفراد أو في أخطاء أنظمة حكم فاشلة. فالسودانيون الذين عُرفوا عبر عقود طويلة بالإسهام الإيجابي في المجتمعات التي استضافتهم، وبقيم التسامح والتعايش واحترام القانون، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة إرث ثقيل صنعته النخب السياسية التي أدارت الدولة بلا مسؤولية وطنية.

 

ومن هنا، فإن إدانة الجريمة لا يجب أن تمنعنا من مواجهة الحقائق المؤلمة. فالحروب وحدها ليست ما دمّر السودان، بل إن انهيار منظومة الحوكمة، وإضعاف المؤسسات السيادية، والتلاعب بالهوية الوطنية، كلها عوامل ساهمت في إنتاج أزمة ممتدة لا تزال آثارها تتجاوز حدود السودان إلى المجتمع الدولي.

 

إن إعادة بناء السودان بعد الحرب الحالية لن تكون ممكنة من خلال الاتفاقات السياسية وحدها. فهناك حاجة ملحة إلى مشروع وطني شامل لإصلاح السجل المدني ومنظومة الجنسية والوثائق الرسمية، وإخضاعها لأعلى معايير الشفافية والرقابة والمهنية. فالدول الحديثة تُقاس بقدرتها على حماية هويتها الوطنية بقدر ما تُقاس بقدرتها على حماية حدودها واقتصادها.

 

كما أن استعادة الثقة الدولية في السودان تتطلب بناء مؤسسات مستقلة وقوية قادرة على إدارة ملفات الهوية والهجرة والجنسية بعيداً عن النفوذ السياسي والمصالح الضيقة. فسمعة الدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات الرشيدة والقوانين العادلة والمساءلة الفعالة.

 

وفي هذا السياق، فإننا نؤيد بشكل كامل حق السلطات البريطانية في تطبيق القانون وملاحقة كل من يثبت تورطه في هذه الجريمة أو في أي أعمال تحريض أو دعم أو تبرير للعنف والكراهية. كما نؤكد أهمية مواصلة الجهود الدولية لمواجهة خطاب التطرف والتحريض العنصري والكراهية المنظمة، سواء في الفضاء الرقمي أو في الواقع، لما تمثله هذه الظواهر من تهديد مباشر للأمن المجتمعي والسلم الدولي.

 

إن التضامن مع الضحايا لا يتعارض مع الدفاع عن صورة الشعب السوداني، بل إن الأمرين يكمل أحدهما الآخر. فالسودانيون الذين عانوا لعقود من الحروب والانتهاكات والاستبداد يدركون أكثر من غيرهم قيمة الأمن والعدالة وحرمة الدم الإنساني.

 

ويبقى الدرس الأهم أن الجريمة فعل فردي يجب أن يُحاسَب مرتكبه، أما مسؤولية الدولة فهي أن تمنع تحوّل مؤسساتها السيادية إلى أدوات للفساد أو العبث. وعندما تفشل الدولة في حماية قدسية هويتها الوطنية، فإن الأضرار لا تتوقف عند حدودها، بل تمتد لتطال سمعة شعبها ومكانتها بين الأمم.

 

إن السودان الذي نحلم به هو دولة قانون ومواطنة ومؤسسات، دولة تحترم الإنسان وتصون الهوية الوطنية وتستعيد ثقة العالم من خلال العدالة والشفافية والمسؤولية. وذلك هو الطريق الوحيد نحو مستقبل يليق بالشعب السوداني ويعيد إليه المكانة التي يستحقها بين شعوب العالم.

 

https://www.facebook.com/share/1Ef2Pfc4Wz/?mibextid=wwXIfr

‫شاهد أيضًا‬

نقابة المحامين: استهداف المدنيين بالأبيض جريمة تستوجب المحاسبة الدولي

أدانت نقابة المحامين السودانيين الهجمات التي استهدفت المدنيين بمدينة الأبيض بولاية شمال كر…