حين تتحول السيجارة إلى بطل!
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

ما أكثر ما نحذر أبناءنا من التدخين، ثم نهدم بأيدينا ما بنيناه من وعي حين نعيد نشر مقاطع أو مشاهد تجعل السيجارة جزءًا من صورة البطل أو الرجل الناجح أو الشخصية المؤثرة.
إن الخطر لا يكمن في إعلان مباشر لشركة تبغ، فالجميع أصبح يعرف أضرار التدخين، وإنما يكمن في الرسائل الخفية التي تتسلل إلى العقول دون استئذان. فعندما تظهر السيجارة في مسلسل تلفزيوني، أو في فيلم سينمائي، أو في مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في مدرجات كرة القدم بين المشجعين والمشاهير، فإنها لا تُعرض باعتبارها سببًا للمرض والموت، بل تُقدم غالبًا في إطار يوحي بالقوة أو الجرأة أو التمرد أو الرجولة.وهنا تكمن المشكلة.
فالطفل لا يقرأ الدراسات الطبية، ولا يتابع تقارير منظمة الصحة العالمية، ولكنه يشاهد الصورة ويحفظها. وحين يرى بطله المفضل أو نجمه المحبوب أو الشخصية التي يعجب بها ممسكًا بالسيجارة، فإن الرسالة التي تصل إليه ليست أن التدخين يسبب السرطان، وإنما أن التدخين جزء من صورة هذا البطل.
ولهذا تنفق شركات التبغ حول العالم مليارات الدولارات على التسويق وصناعة الصورة الذهنية، لأنها تعلم أن البشر يتأثرون بالنماذج أكثر مما يتأثرون بالمواعظ. وعندما يقوم بعض الناس بنشر مثل هذه المشاهد دون انتباه، فإنهم يقدمون لتلك الشركات خدمة دعائية مجانية ربما تكون أكثر تأثيرًا من الإعلان التجاري نفسه.
لقد أدركت كثير من الدول هذه الحقيقة، ففرضت قيودًا على إظهار التدخين في بعض الأعمال الموجهة للأطفال والناشئة، لأن الدراسات أثبتت أن مشاهدة التدخين تزيد من احتمالية تقليده بين المراهقين. فالقضية ليست مجرد سيجارة تظهر في لقطة عابرة، بل ثقافة كاملة يتم تسويقها بصورة غير مباشرة.
ومن المؤسف أن بعض الناس ما زالوا يربطون التدخين بالرجولة أو النضج أو المكانة الاجتماعية، مع أن الحقيقة تقول عكس ذلك تمامًا. فالرجولة ليست في سيجارة تحرق الرئتين، ولا في عادة تستنزف المال والصحة، وإنما في قوة الإرادة والانضباط وتحمل المسؤولية وحماية النفس والأهل من الأذى.
لذلك فإن نشر المقاطع التي يظهر فيها التدخين ينبغي أن يُراجع بعين المسؤولية لا بعين التسلية. وإذا كان لا بد من نشرها لسبب إعلامي أو توثيقي، فمن الممكن حجب السيجارة أو طمسها، حتى لا تتحول الصورة إلى رسالة دعائية غير مقصودة.
إن معركة الوعي لا تُخاض بالكلمات وحدها، بل بالصور أيضًا. وقد تهدم صورة واحدة ما تبنيه عشرات المحاضرات والبرامج التوعوية. ومن حق أطفالنا وشبابنا علينا أن نحميهم من كل رسالة تزين لهم عادة ثبت ضررها شرعًا وعقلًا وطبًا.
فهل نكون جزءًا من الحل، أم نتحول – من حيث لا نشعر – إلى أدوات مجانية في حملة ترويجية لصناعة لا تزداد أرباحها إلا كلما ازداد عدد ضحاياها؟
نقابة المحامين: استهداف المدنيين بالأبيض جريمة تستوجب المحاسبة الدولي
أدانت نقابة المحامين السودانيين الهجمات التي استهدفت المدنيين بمدينة الأبيض بولاية شمال كر…





