‫الرئيسية‬ مقالات غربة الجسد وخلود الأثر: وداعاً البروفيسور عز الدين عمر موسى
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

غربة الجسد وخلود الأثر: وداعاً البروفيسور عز الدين عمر موسى

شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

رحل المفكر الحاضر، وانطفأ قنديلٌ طالما أضاء عتمة التاريخ والبحث والدراسات الاستراتيجية. في الأحد الحزين، الحادي والعشرين من يونيو لعام 2026، اهتزت أركان القلب وأنا أطالع تلك الرسالة الفاجعة القادمة من أروقة العلم، يحملها الدكتور عمر الصديق، ناعياً فيها قامةً فكريةً وإنسانية عزّ نظيرها في زماننا: “توفي في ساعة متأخرة من ليل أمس بأمريكا العالم الجليل البروفيسور عز الدين عمر موسى… أحسن الله عزاءكم معشر المؤرخين”. نعم، هو عزاء للمؤرخين، وللمفكرين، وللوطن المكلوم الذي يودع قاماته السامقة في منافي الأرض ومغاربها، مصداقاً لقوله تعالى: “وَلَنَبْـلُوَنَّكُمْ بِشَـيْءٍ مِّـنَ الْخَـوفْ وَالْجُـوعِ وَنَقْـصٍ مِّـنَ الأَمَـوَالِ وَالأنفُـسِ وَالثَّمَـرَاتِ وَبَـشِّرِ الصَّـابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ”.

يعود بي شريط الذكريات عقوداً إلى الوراء، وتحديداً إلى بدايات هذا القرن، حين احتضنتنا مدينة الرياض السعودية برعايتها وظلالها الثقافية والاجتماعية الوارفة. هناك، في تلك المدينة التي كانت تموج بحراك فكري واغترابي كثيف، توثقت صلاتي بالراحل العزيز. لم يكن البروفيسور عز الدين مجرد أستاذ التاريخ بكلية الآداب في جامعة الملك سعود، بل كان محوراً تدور حوله اجتماعيات سوداني الغربة والهجرة، مجالس العلم والأدب، ورمزاً حياً للعطاء الإنساني والاجتماعي؛ إذ امتدت أياديه البيضاء لتشمل مجالات شتى، متوجاً عطاءه برئاسته الفخرية التاريخية للرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج (الصالحية)، ليبرهن على أن العالم الحقيقي هو الذي يربط الأكاديمية بنبض مجتمعه وأبناء وطنه في الغربة.

في تلك الفترة الممتدة، لم تكن علاقتنا مجرد تواصل عابر أو لقاءات اجتماعية عفوية، بل نمت وتجذرت لتصبح وشيجة من العلاقات الاجتماعية الممتدة والعميقة، التي تجاوزت الأطر الرسمية لتصل إلى عمق البيوت والعائلات، يملؤها الدفء والتواصل الإنساني النبيل. وفي قلب تلك اللقاءات الدورية والأمسيات الثقافية، ولدت إرهاصات صراع فكري عميق ونقاشات حامية الوطيس بين كفرد من كتلة بعينها وبينه كفرد من كتلة تناهضها ولكن كلانا كنا نحمل هموم وقضايا الوطن. وكان هنالك تدافعاً فكرياً راقياً اخر يعكس التباين الخلاق بين رؤيتين؛ رؤية المؤرخ الصارم الذي يغوص في بطون التاريخ وجذور الوثيقة ليصوغ الهوية ويفسر الحاضر، ورؤية أخرى تنزع نحو التحليل النفسي والاجتماعي، وتفكيك البنى المعاصرة، واستشراف الآفاق المستقبلية عبر أدوات الصحافة والبحث النفسي المعمق.

أذكر جيداً تلك السجالات الممتعة حول الهوية الأفريقية العربية، وإشكاليات النهضة والتطور في العالم الإسلامي، ومستقبل القارة السمراء. كان صراعاً فكرياً يغذي العقول ويثري المدارك، ولم يفسد للود قضية أبداً، بل كان يزيد من مساحات التقدير والاحترام المتبادل بيننا. كنت أرى في طروحاته تمسكاً بمنهجية التحقيق والتدقيق التاريخي، بينما كان يرى في مناقشاتنا معه محاولة لربط التاريخ بالديناميكيات النفسية والسلوكية للمجتمعات المعاصرة. هذا التلاقح الفكري هو الذي جعل من جلساتنا منبراً حراً تبادلنا فيه الأفكار والرؤى، والتي تجسدت لاحقاً في أدواره القيادية، ولا سيما تأسيسه لمركز “العز بن عبد السلام للدراسات العربية الإسلامية الأفريقية” في عام 2005، والذي مثل منارة فكرية امتدت لتربط الجذور بالآفاق المعاصرة.

لقد كان البروفيسور عز الدين نموذجاً فذاً للزهد الأكاديمي والوفاء للمؤسسات التي احتضنته. وحين نال جائزة الملك فيصل العالمية في مجال الدراسات الإسلامية تقديراً لبحوثه ودراساته التي أثرت المكتبة الإسلامية، لم يزده هذا التكريم الرفيع إلا تواضعاً. ولعل الموقف الذي سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال كشاهد على نبله، هو إيقافه لمكتبته الخاصة التي جمعها على مدار أكثر من نصف قرن من جامعات عالمية مرموقة، لتكون هدية لمكتبة الأمير سلمان بجامعة الملك سعود. عشرة آلاف كتاب من النفائس والذخائر في مختلف ميادين العلم والمعرفة، تنازل عنها بقلب راضٍ، معتبراً إياها جزءاً يسيراً من رد الجميل لجامعة رعته وأتاحت له مواصلة عطائه الأكاديمي.

لكن الفصول الأكثر إيلاماً في حياة هذا العالم الجليل بدأت تُرسم مع اندلاع الحرب الكارثية في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023. لم يحتمل جسد الشيخ التسعيني وطأة المدافع وصوت الرصاص في خرطوم العلم والثقافة التي أحبها. صمد بين أهله ثلاثة أشهر كاملة، يشاركهم الصبر والمعاناة، حتى وهن العظم وتهاوى العزم الفعلي أمام وطأة المرض المستحدث والقديم. غادر الوطن شبه جثة خامدة متوجهاً في رحلة علاجية عصيبة إلى نيويورك. ومن منافيه هناك، كتب رسالته المؤثرة التي أبكت القلوب، رسالة تنبض بالانتماء والشوق الجارف للوطن، حيث قال: “وددت أن أظل بينكم وأموت عندكم، والأعمار بيد الله، وأُقبر في أرضنا الطاهرة الفيحاء”.

شاءت الأقدار، ومشيئة الله فوق كل شيء، أن يموت المفكر الكبير بعيداً عن الثرى الذي عشق، وبعيداً عن ضفاف النيل التي أمضى عمره مؤرخاً ومستشرفاً لغدها. رحل في أمريكا تاركاً خلفه ابنه الوليد، وتلاميذه، ومحبيه، وإرثاً فكرياً لن تطويه الأيام. إننا اليوم لا ننعي مجرد عميد لكلية الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، بل ننعي حقبة كاملة من الرصانة والنزاهة الفكرية والعطاء الإنساني الممتد. رحل عز الدين عمر موسى بجسده، لكن نقاشاته معنا في الرياض، ومكتبته العامرة، وكتبه المبثوثة في الآفاق، ستبقى منارات هادية تستعصي على الغياب والنسيان. رحم الله البروفيسور رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين، وألهمنا وأهله الصبر وحسن العزاء. “إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ”.

‫شاهد أيضًا‬

نداء إنساني إلى وزيري الداخلية في السودان ومصر الطلاب السودانيون بين مطرقة الحرب وسندان الإجراءات

في زمنٍ أصبحت فيه الحروب تسرق الأوطان من أبنائها، يبقى التعليم هو آخر ما يتمسك به الشباب أ…