بين مقتضيات الاستضافة ومسؤولية الوجود: خارطة طريق لترشيد الوجود السوداني في مصر
شيء للوطن م صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تمر العلاقة الأزلية بين الشعبين المصري والسوداني بواحدة من أدق مراحلها التاريخية عطفاً على التدفقات البشرية الواسعة التي فرضتها ظروف الحرب الأخيرة. ومع دخول هذه الأزمة عامها الثاني، ينتقل النقاش النخبوي والشعبي من مرحلة “إدارة الصدمة الأولى” إلى مرحلة “تنظيم واستدامة الوجود الإيجابي”، وهو ما يستدعي وقفة مكاشفة مهنية توازن بين تقدير التسهيلات التي قدمتها الدولة المضيفة، وبين الواجبات السلوكية والقانونية المطلوبة من المقيم السوداني للحفاظ على النسيج الاجتماعي والأمني المشترك.
في الآونة الأخيرة، برزت جملة من المتغيرات الميدانية والملاحظات السلوكية التي تستوجب القراءة والتحليل والتوجيه، لضمان أن يظل هذا الوجود السكاني متسقاً مع النظم السيادية المصرية، ومعبراً عن الإرث الحضاري للسودان.
تشهد المعابر والموانئ البرية حركة عكسية لافتة تتمثل في تزايد أعداد السودانيين الراغبين في العودة إلى أرض الوطن، إما لتبدل الظروف الأمنية في بعض الولايات أو لرغبة ذاتية في المساهمة في إعمار ما دمرته الحرب.
هذا الحراك الذي تقوده بفعالية مبادرات وطنية واعية مثل “لجنة الأمل”، بجانب جهود مناطقية محدودة لروابط أبناء بعض الولايات، يمثل خطوة متقدمة في تنظيم العودة. غير أن هذا التدفق المتزايد يضعنا أمام تحدٍّ لوجستي كبير؛ إذ يتطلب الأمر تدخلاً أوسع من رجال الأعمال السودانيين، والمنظمات الدولية، والبعثة الدبلوماسية لتوفير المزيد من وسائل النقل الآمنة والميسرة، وتوسيع نطاق المبادرات الطوعية لتشمل الشرائح الأكثر احتياجاً، مما يرفع العبء عن كاهل الأسر ويعجل بترتيب أوضاعهم.
إن الركيزة الأساسية لأي تواجد أجنبي آمن ومستقر في أي دولة هي التمسك بـ “مبدأ السيادة القانونية”. من هنا، يصبح حمل الوثائق الثبوتية سارية المفعول وعلى رأسها “كرت الإقامة الرسمي” فرض عين على كل سوداني متواجد على الأراضي المصرية، وليس مجرد إجراء تكميلي. إن الالتزام بالقوانين المنظمة للإقامة يقطع الطريق أمام أي ملاحقات قانونية ويسهم في مساعدة السلطات المصرية على حصر الأعداد وتقديم الخدمات.
ارتباطاً بالجانب الأمني والتنظيمي، تبرز الحاجة إلى ترشيد الحركة وتقليل التنقل غير الضروري عبر وسائل المواصلات العامة إلا في حالات العمل، الدراسة، أو العلاج. هذا السلوك يقلل من الضغط على البنية التحتية في المدن المكتظة، ويعكس صورة من صور الانضباط والتقدير للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المنطقة ككل.
شهدت الفترة الماضية توسعاً غير مدروس في إقامة البازارات، المعارض، والاحتفالات الثقافية السودانية تحت لافتات متعددة. ورغم تفهمنا للحاجة إلى إبراز الهوية وتوفير مصادر دخل لبعض الأسر، إلا أن إقامة هذه الفعاليات دون غطاء رسمي يخلق حالة من العشوائية.
المطلوب بشكل حاسم: تقنين كافة مبادرات الاحتفالات والبازارات لتكون بصورة رسمية وبعلم وإشراف مباشر من الجهات المسؤولة في السفارة السودانية بالتنسيق مع السلطات المصرية المختصة. هذا الإجراء يحمي المنظمين والمشاركين، ويضمن خروج الفعاليات بمظهر يليق بالثقافة السودانية.
وفي ذات السياق الاجتماعي، تبرز ظاهرة سهرات الكافيهات الممتدة لساعات متأخرة كإحدى السلبيات التي تحتاج إلى مراجعة فورية. إن رصد بعض الإعلانات الترويجية المصاحبة لهذه السهرات من قبل بعض الإدارات (مثل إعلانات “دخول البنات مجاناً”) يعد مؤشراً خطيراً يتنافى مع قيم وتقاليد المجتمع السوداني المحافظ والبلد المضيف، ويسهم في تشويه الصورة الذهنية للمرأة السودانية. يجب ضبط هذه الممارسات تجارياً واجتماعياً، والابتعاد عن مواطن الشبهات والأماكن التي لا تراعي الحشمة والوقار.
تتعرض العلاقات المصرية السودانية لمعارك رقمية ممنهجة يقودها “إعلام سالب” يهدف إلى الوقيعة وإثارة خطاب الكراهية. الواجب المهني والوطني يحتم على كل سوداني بمصر إغلاق منافذ الجدل العقيم، وتقليل فرص النقاش السياسي أو الاجتماعي الحاد المتعلق بطبيعة العلاقات الثقافية أو السياسية بين البلدين على منصات التواصل الاجتماعي.
إن عدم الانجرار وراء المحتويات المستفزة، والوعي بأن بعض الأصوات الناشزة لا تمثل الموقف الرسمي أو الشعبي لمصر، هو السبيل الأمثل لإحباط هذه المخططات والحفاظ على وشائج القربى.
أمام هذه الملاحظات الشاملة، لا يمكن أن نظل في مربع رصد السلبيات دون تقديم آليات تنفيذية للعلاج. وهنا يبرز الدور المحوري الغائب للمؤسسات الاعتبارية.
يجب على المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر أن ينتقل من الدور الشرفي أو الإغاثي التقليدي إلى دور التوجيه الاستراتيجي وضبط السلوك العام، وذلك عبر مصفوفة عمل واضحة: ففي مجال التوعية القانونية، يتطلب الامر إقامة ورش عمل دورية بالتنسيق مع قانونيين مصريين وسودانيين لشرح قانون الإقامة المصرى وعواقب المخالفة.
وعن الوافدون الجدد وأصحاب الأعمال، يتطلب الضبط الاجتماعي ضرورة عقد ندوات ولقاءات فكرية لبحث آليات ترشيد السلوك العام وتوجيه الطاقات الشبابية نحو العمل الطوعي والتعليم.
عن الشباب والروابط الطلابية والجهوية، فالمأسسة الدبلوماسية تتطلب تشكيل لجنة مشتركة بين المجلس والسفارة والأجهزة المصرية لوضع معايير صارمة للأنشطة الثقافية والتجارية.
إن وجود السودانيين في مصر في هذه المرحلة الاستثنائية يجب أن يُدار بعقلية “الضيف المسؤول” الذي يحترم الدار وأهلها، ويحافظ على كرامة وطنه عبر سلوكه اليومي. إن معالجة هذه الملاحظات ليست تقييداً للحريات، بل هي سياج لحماية التواجد السوداني وضمان استقراره، وتأكيد على أن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة أكبر من أن تهزها ممارسات فردية أو سحابات صيف عابرة.
الابيض عصية علي السقوط في يد المليشيا
مازالت الابيض عروس الرمال صامدة وقوية في وجه محاولات مليشيا دقلو في دخول المدينة العريقة و…





