‫الرئيسية‬ مقالات عندما يخذلنا الاشقاء والاصدقاء .. – قراءة في تحولات مفهوم التضامن العربي والإسلامي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

عندما يخذلنا الاشقاء والاصدقاء .. – قراءة في تحولات مفهوم التضامن العربي والإسلامي

السفير / رشاد فراج الطيب

عقب نشر مقالي بعنوان ” بناء التحالفات لا يبدأ من الخارج ” ، تفضل أحد السفراء الكبار ، وهو من أصحاب الخبرة الطويلة في العلاقات الدولية ، بتعقيب مهم مفاده أن السودان ، بما قدمه تاريخيًا لقضايا أمته العربية والإسلامية ، يستحق من مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك موقفًا أكثر وضوحًا وصلابة ، وأن هذا الدعم ليس تفضلاً من أحد ، وإنما هو استحقاق تفرضه المواثيق كما يفرضه رصيد السودان من العطاء .

وقد وجدت أن هذا التعقيب يثير سؤالًا يتجاوز الحالة السودانية إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظامين العربي والإسلامي في صورتهما الراهنة : لماذا أصبحت المواثيق أقل قدرة على إنتاج المواقف ؟ ولماذا لم يعد التاريخ المشترك وحده كافيًا لاستدعاء التضامن ؟

لا خلاف حول أن السودان كان حاضرًا في معظم القضايا العربية والإسلامية الكبرى ، سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا ، ولم يتعامل مع تلك القضايا بمنطق الربح والخسارة ، وإنما بمنطق الانتماء والمسؤولية المشتركة .

ومن ثم فإن الشعور بالخذلان الذي يعتري كثيرًا من السودانيين اليوم مفهوم ومشروع من الناحية الأخلاقية والسياسية .

لكن العلاقات الدولية لا تدار بالأخلاق وحدها ، ولا بالذاكرة التاريخية وحدها ، وإنما تحكمها معادلة أكثر تعقيدًا ، تتداخل فيها المصالح مع موازين القوة وحسابات الأمن والتحالفات .

وهنا تكمن المفارقة الأساسية ،
فالمشكلة ليست في أن مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك لا تملك مواثيق تلزمها بالتحرك ، وإنما في أنها، منذ نشأتها ، ليست كيانات مستقلة عن إرادة الدول الأعضاء .

فهي لا تنتج سياساتها بمعزل عن الحكومات ، وإنما تعكس في الغالب نقاط الالتقاء بينها. فإذا غاب التوافق ، غابت معه فعالية المؤسسة مهما بلغت قوة نصوصها .

لقد تغير العالم كثيرًا منذ تأسيس هذه المؤسسات ، ففي العقود الماضية كان مفهوم الأمن القومي العربي ، أو الأمن الجماعي ، يمثل الإطار المرجعي الذي تُفسَّر من خلاله كثير من الأزمات .

وكانت هناك قناعة بأن أمن أي دولة عربية جزء من أمن المجموع ، وأن إضعاف دولة عربية ينعكس ، عاجلًا أو آجلًا ، على بقية الدول .

أما اليوم فقد شهد هذا المفهوم تحولًا عميقًا ، إذ حلت محلّه مقاربة أكثر براغماتية ، تقوم على مفهوم الأمن الإقليمي الانتقائي ، حيث تبني كل دولة شبكة علاقاتها وتحالفاتها وفق تعريفها الخاص لمصالحها الوطنية ، لا وفق مقتضيات الانتماء العربي أو الإسلامي وحده .

وأصبح معيار القرار هو : من يحقق المصلحة ؟ ومن يملك التأثير ؟ وما الكلفة السياسية أو الاقتصادية لكل موقف ؟
وفي ظل هذا التحول ، لم يعد مستغربًا أن تختلف الدول في تقييمها للأزمة السودانية ، أو أن تتباين أولوياتها بشأنها ، أو حتى أن ترى بعض الأطراف أن استمرار حالة الضعف والانشغال الداخلي في السودان يخدم حسابات استراتيجية أو يحقق توازنات إقليمية تراها أكثر ملاءمة لمصالحها .

هذه ليست دعوة إلى تبرير تلك المواقف ، ولا إعفاءً لأحد من مسؤولياته الأخلاقية أو القانونية ، وإنما هي محاولة لفهم البيئة التي تُصنع فيها القرارات .

فالمنظمات الإقليمية لا تتحرك بإرادتها الذاتية ، وإنما تتحرك بقدر ما تسمح به إرادة الدول المؤثرة فيها ، ولذلك لم تعد نصوص المواثيق وحدها كافية لإنتاج مواقف جماعية ، ما لم تتوافر إرادة سياسية تدفع في ذلك الاتجاه .

ولعل أوضح دليل على هذا التحول أن القضية الفلسطينية نفسها ، التي ظلت لعقود تمثل عنوان الإجماع العربي والإسلامي ، أصبحت اليوم محل تباين في المقاربات ، واختلاف في الأولويات ، وتفاوت في مستويات الانخراط السياسي والدبلوماسي .

فإذا كانت القضية المركزية للأمة قد أصبحت خاضعة لحسابات المصالح ، فمن الطبيعي أن تصبح الأزمات الأخرى أكثر عرضة لتباين المواقف .

ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية التي أردت طرحها في مقالي السابق : إن بناء التحالفات لا يبدأ من الخارج ، لأن الخارج لا يتحرك استجابة للعواطف أو استدعاءً للجميل التاريخي ، وإنما يتحرك حين يجد أمامه دولة مستقرة ، ومؤسسات فاعلة ، ورؤية واضحة ، ومصالح متبادلة تستحق الاستثمار فيها .

إن الدول القوية لا تكتسب الحلفاء لأنها تطلب المساندة ، وإنما لأنها تصبح جزءًا من معادلة المصالح الإقليمية والدولية .

وكلما ازدادت قدرة الدولة على إنتاج الاستقرار والقوة الاقتصادية والتماسك الوطني ، ازدادت قدرتها على بناء تحالفات راسخة ومستدامة .

لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد : لماذا لم يقف الآخرون معنا ؟ بل أصبح : ماذا ينبغي أن نفعل نحن حتى يصبح الوقوف معنا مصلحة استراتيجية للآخرين ، وليس مجرد استجابة أخلاقية أو وفاء لتاريخ مشترك ؟
إن التاريخ يمنح الدول احترامًا ، لكنه لا يصنع وحده التحالفات .

أما المصالح ، حين تقترن بالقوة والاعتماد المتبادل ، فهي التي تصنع التحالفات القادرة على الصمود أمام تغير الأزمنة وتقلب موازين القوى .

وهذه ، في تقديري ، هي الحقيقة التي ينبغي أن نستوعبها ونحن نعيد التفكير في مستقبل السياسة الخارجية السودانية ، وفي الكيفية التي ننتقل بها من انتظار التضامن إلى صناعة الشراكات ، ومن استدعاء الماضي إلى بناء المستقبل .

‫شاهد أيضًا‬

مدارس الكودة تحقق 40% في الشهادة الابتدائية بولاية الجزيرة

أعلنت مؤسسة د.ابوذر الكودة التعليمية تحقيق نسبة نجاح بلغت 40% في امتحانات الشهادة الابتدائ…