دولة المستقبل “دولةُ العلم والعدل والإيمان… المشروع الذي يصنع التاريخ لا السلطة”
إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

ليست معركة السودان الحقيقية هي: من يحكم؟ وإنما: كيف تُبنى دولةٌ لا تنهار بتغير الحكومات، ولا ترتبك بتبدل الأشخاص، ولا تُختطف بسطوة المصالح؟ فالتاريخ يعلمنا أن السلطة يمكن أن تُنتزع في ليلة، لكن الدولة لا تُبنى إلا عبر مشروعٍ حضاري يمتد لأجيال.
إن الأمم لا تدخل التاريخ لأنها امتلكت القوة، وإنما لأنها امتلكت الفكرة. والفكرة التي صنعت أعظم الحضارات لم تكن يومًا بندقيةً ولا خزينةً ممتلئة، بل كانت ثلاثيةً لا تُقهر: العلم الذي يُنتج القوة، والعدل الذي يصنع الاستقرار، والإيمان الذي يحرس الضمير.
العلم ليس قطاعًا خدميًا في ميزانية الدولة، بل هو الأمن القومي بعينه. فالمعامل اليوم تحمي الأوطان كما تحميها الثكنات، والجامعة التي تُنتج المعرفة لا تقل أهميةً عن القاعدة العسكرية التي تحرس الحدود. والدولة التي تستورد الأفكار كما تستورد الغذاء، ستظل أسيرةً لإرادة غيرها، مهما امتلكت من ثروات.
أما العدل، فهو ليس فضيلةً أخلاقية تُقال في الخطب، بل هو أعظم استثمار استراتيجي. فحيث يسود العدل، يطمئن المستثمر، ويبدع العالم، ويطمئن المواطن، وتتماسك الجبهة الداخلية. وحيث يغيب، تبدأ الدولة في استنزاف نفسها بنفسها، لأن الظلم يستهلك من طاقة الأوطان أكثر مما تستهلكه الحروب.
ثم يأتي الإيمان… لا بوصفه شعارًا يُرفع، وإنما باعتباره منظومةً أخلاقيةً تضبط السلطة قبل أن تضبط المجتمع. فالدساتير تراقب المسؤول ما دام الناس ينظرون إليه، أما الإيمان فيراقبه حين يغيب الرقيب. ولذلك كانت الحضارات تسقط يوم ينهار الضمير، قبل أن تنهار الجيوش.
وهنا يجب أن تُقال الكلمة التي ينتظرها السودانيون: كفى إقصاءً… كفى إقصاءً متبادلًا. فلا وطن يُبنى بمنطق الغالب والمغلوب، ولا مستقبل يُصاغ بعقلية الثأر السياسي، ولا دولة تستقر إذا ظل كل فريق يبحث عن وطنٍ على مقاسه. إن الشعب السوداني لن يرضى في مسيرة إعادة بناء وطنه إلا بأطروحاتٍ جامعة، تُعلي قيمة المواطنة، وتفتح أبواب المشاركة، وتؤسس لدولةٍ يكون معيارها الكفاءة لا الولاء، والحقوق لا الانتماءات الضيقة، والمصلحة الوطنية لا الحسابات الفئوية. فالسودان أكبر من الأحزاب، وأوسع من الجماعات، وأبقى من الحكومات، ولن ينهض إلا حين يلتقي أبناؤه على مشروعٍ جامع عنوانه: دولة العلم والعدل والإيمان.
إن العقل الاستراتيجي لا يقيس نجاح الدولة بعدد الأبراج، بل بقدرتها على صناعة الإنسان. فالطرق تُعبد في سنوات، أما العقول فتُبنى في عقود، وهي وحدها التي تحمي الطرق والمصانع والمؤسسات من الانهيار.
لقد آن للسودان أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن التفكير في دورة الحكم القادمة إلى التفكير في القرن القادم. فالأمم التي تخطط لأجيال، هي التي ترسم خرائط العالم، أما التي تعيش أسيرة ردود الأفعال، فإنها تتحول إلى ساحةٍ تُنفذ فيها مشاريع الآخرين.
إن مشروع دولة العلم والعدل والإيمان ليس خطابًا وعظيًا، بل هو عقيدةٌ استراتيجية؛ فالعلم يصنع القدرة، والعدل يصنع الشرعية، والإيمان يصنع النزاهة. وإذا فقدت الدولة واحدًا من هذه الأركان، اختل ميزانها مهما امتلكت من المال والسلاح.
اتجاه البوصلة:
إن السؤال الذي يجب أن يدخل كل غرفة قرار ليس: كيف تُدار الدولة اليوم؟ بل: كيف تُبني دولةً تبقى بعد مائة عام؟ وكيف يُغرس في وجدان الأجيال أن الأوطان لا تُصان بالإقصاء، وإنما بالشراكة، ولا تُخلَّد بالصراع، وإنما بالمشروع الوطني الجامع؟ فالدول التي تكتب أسماءها في التاريخ لا تُشيَّد بالإسمنت وحده، بل تُشيَّد بعقولٍ تُفكر، وعدالةٍ تُنصف، وضمائرَ لا تبيع الوطن. تلك هي البوصلة التي إذا استقام اتجاهها، استقام معها المستقبل، وأصبح السودان وطنًا يُنتج الحضارة، لا يكتفي باستحضار أمجادها.
د.مزمل سليمان وأ.الطيب قسم السيد يوثقان سنوات المحنة
لم يكن صوتا الدكتور مزمل سليمان حمد والأستاذ الطيب قسم السيد غريبين على آذان السودانيين فع…





