السودان… لماذا نصدق ما نريد تصديقه؟
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في المقالين السابقين توقفنا عند حقيقة ربما لم ننتبه إلى خطورتها إلا متأخرين.
قلنا إن المجتمع السوداني لم يتشكل تاريخيًا بوصفه مجتمعًا للقراءة بقدر ما تشكل بوصفه مجتمعًا للرواية.
المعرفة فيه كانت تنتقل من الأفواه أكثر مما تنتقل من الكتب.
والذاكرة كانت تحفظها المجالس أكثر مما تحفظها الوثائق.
وكان السؤال الذي يتكرر في كل نقاش تقريبًا ليس:
“أين قرأت ذلك؟”
بل:
“تتذكر…؟”
أو:
“قالوا ناس فلان…”
ولم تكن هذه الشفاهية، في سياقها التاريخي، نقطة ضعف.
بل كانت إحدى الأدوات التي حافظ بها المجتمع السوداني على تماسكه، ونقل بها قيمه، وصان بها ذاكرته الجمعية.
لكن المشكلة لم تبدأ هناك.
بل بدأت عندما انتقلت هذه الثقافة نفسها إلى الفضاء الرقمي.
حينها لم تتغير طريقة استقبال المعرفة…
بل تغيرت فقط وسيلة نقلها.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولًا… الإنسان لا يصدق الحقيقة فقط
هناك افتراض شائع يقول إن الإنسان يصدق ما تثبته الأدلة.
لكن التجربة الإنسانية تقول شيئًا مختلفًا.
فالناس كثيرًا ما يرفضون معلومات صحيحة…
ويقبلون معلومات أضعف منها.
ليس لأنهم لا يفهمون…
بل لأن التصديق ليس عملية عقلية خالصة.
إنه أيضًا عملية اجتماعية ونفسية وثقافية.
فنحن لا نستقبل المعلومات بعقول فارغة…
بل بعقول ممتلئة بتجارب سابقة، ومخاوف، وآمال، وهويات، وانتماءات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا توجد معلومات صحيحة وأخرى خاطئة؟
بل:
لماذا نجد أنفسنا مستعدين لتصديق بعضها أكثر من غيرها؟
ثانيًا… حين يصبح المألوف أكثر إقناعًا من الصحيح
في المجتمع السوداني، كما في كثير من المجتمعات الشفاهية، لا تُقاس قوة الرواية دائمًا بكمية الأدلة التي تحملها.
بل أحيانًا بمدى ألفتها.
وبعدد من يرددها.
وبالشخص الذي نقلها.
ولهذا ظل الناس، لعقود طويلة، يمنحون ثقة كبيرة لما يأتيهم عبر الدائرة الاجتماعية القريبة.
فالرواية التي تأتي من قريب…
قد تتغلب على المعلومة التي تأتي من وثيقة.
والخبر الذي ينقله شخص نثق به…
قد يبدو أكثر إقناعًا من تقرير كامل.
ولم يكن ذلك خللًا أخلاقيًا…
بل كان جزءًا من الطريقة التي تكيف بها المجتمع مع ظروفه التاريخية.
ثالثًا… من “قالوا ناس فلان” إلى “وصلني في الواتساب”
حين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، ظن كثيرون أننا دخلنا عصرًا جديدًا.
لكن الذي حدث كان أكثر تعقيدًا.
لقد تغيرت الوسائل…
أما طريقة التصديق، فلم تتغير بالسرعة نفسها.
فالواتساب أصبح مجلس القرية.
والفيسبوك أصبح امتدادًا للرواية الشفوية.
والمقطع الصوتي أصبح يقوم بالدور الذي كانت تقوم به الحكاية المنقولة من مجلس إلى آخر.
ولهذا لم يكن كثير من السودانيين يتعاملون مع المحتوى الرقمي باعتباره مادة تحتاج إلى تحقق…
بل باعتباره رواية تحتاج إلى ثقة.
وهنا انتقلت الشفاهية من المجالس…
إلى الخوارزميات.
رابعًا… نحن لا نبحث دائمًا عن الحقيقة…
بل عن الطمأنينة
حين يعيش الإنسان حالة من الغموض، أو الخوف، أو الانقسام، فإنه لا يبحث فقط عن التفسير الصحيح.
بل يبحث عن التفسير الذي يعيد إليه الإحساس باليقين.
ولهذا تميل النفس البشرية إلى تصديق ما ينسجم مع ما تؤمن به أصلًا.
وإلى رفض ما يهدد صورتها عن العالم.
فالمعلومة ليست مجرد معلومة.
إنها أحيانًا امتحان للهوية.
ولهذا يصبح تغيير القناعة أصعب بكثير من اكتساب معلومة جديدة.
خامسًا… السودان… حين أصبحت الروايات تتصارع
منذ عام ٢٠١٨م، ثم بصورة أشد بعد اندلاع الحرب، لم يعد السودانيون يعيشون وسط رواية وطنية واحدة.
بل وسط روايات كثيرة.
كل رواية تفسر الأحداث بطريقة مختلفة.
وكل جماعة تمتلك مصادرها الخاصة.
وأبطالها.
ومفرداتها.
وذاكرتها.
وفي مثل هذه البيئات، لا ينتصر بالضرورة من يمتلك الوقائع الأكثر دقة.
بل كثيرًا ما ينتصر من يقدم الرواية الأكثر انسجامًا مع مشاعر جمهوره.
وهكذا يصبح الانقسام في تفسير الأحداث…
امتدادًا لانقسام أعمق في طرق تصديقها.
سادسًا… أخطر ما يحدث للعقل الجمعي
المشكلة ليست أن الناس يختلفون.
فالاختلاف سنة اجتماعية.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح كل طرف لا يرى من الواقع إلا ما يؤكد قناعته.
ويتجاهل كل ما يناقضها.
حينها لا يعود الخلاف حول الوقائع.
بل يصبح الخلاف حول إمكانية الاعتراف بالوقائع أصلًا.
وعند هذه المرحلة، لا يفقد المجتمع اتفاقه فقط…
بل يفقد قدرته على الحوار.
لأن كل فريق يعيش داخل روايته الخاصة.
#أصل_القضية…
ليست المشكلة أن الإنسان يصدق ما يريد تصديقه.
فهذه نزعة بشرية يعرفها كل مجتمع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه النزعة إلى قاعدة تحكم المجال العام كله.
وحين تصبح الرواية أهم من الحقيقة.
والانتماء أقوى من الدليل.
والتكرار أكثر تأثيرًا من البرهان.
عندها لا تعود الأزمة أزمة معلومات…
بل أزمة وعي.
ولعل هذا ما يحتاج السودان إلى تأمله اليوم.
فإعادة بناء الدولة لا تبدأ بإعادة إعمار الطرق والجسور وحدها.
بل تبدأ أيضًا بإعادة بناء الجسر الذي يصل الإنسان بالحقيقة.
لأن الحقيقة التي لا تجد من يثق بها…
قد تخسر أمام رواية لا تملك دليلًا، لكنها تملك جمهورًا.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينتظرنا في المقال القادم ليس:
كيف نميز الحقيقة من الشائعة؟
ولا:
كيف نتحقق من الأخبار؟
بل …
لماذا ينتصر الاستعطاف على الحقيقة
خسر الشباب حين استراح هاني من وعثاء المسئولية
ترجّل الأخ الدكتور هاني بعد أن امتطى صهوة النجاح، وبعد أن خاض معركة صناعة القيادات الشابة،…





