‫الرئيسية‬ مقالات معركة السودان الحاسمة خارج الميدان
مقالات - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

معركة السودان الحاسمة خارج الميدان

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، يقف السودان أمام مفترق طرق لا تحدده أصوات المدافع وحدها، بل تحدده أيضاً أصوات البرلمانات، وقرارات مراكز صناعة القرار، وضغوط جماعات الضغط السياسي، وصدى الإعلام العالمي. فبينما تخوض القوات المسلحة السودانية معركتها على الأرض ضد مليشيات الدعم السريع، فإن معركة أخرى لا تقل خطورة تدور في أروقة واشنطن، حيث تُصاغ السياسات وتُبنى المواقف التي ستحدد مستقبل السودان ومكانته في النظام الدولي.

 

إن الاختراق الدبلوماسي لواشنطن ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية، لأن الانتصار العسكري مهما كان عظيماً يمكن أن يتبخر على طاولة السياسة الدولية إذا لم يُترجم إلى مكاسب استراتيجية تحفظ السيادة وتؤمن المصالح الوطنية. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما تُحسم أيضاً بما لديك من أوراق ضغط جيوسياسية، من موارد طبيعية، ومن قدرة على الإغراء والترهيب داخل مراكز القرار العالمي. ومن ينجح في كسب الرأي العام الدولي، ويغري الطرف الآخر بما يملك من أوراق، يكسب المعركة قبل أن يُطلق الرصاص الأخير.

 

واشنطن اليوم ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي ساحة صراع مفتوح بين مصالح متشابكة، حيث يتداخل اللوبي الإماراتي داخل الكونغرس مع دوائر صنع القرار الأمريكية، في محاولة لصياغة قوانين وفرض عقوبات ورسم سياسات قد يكون لها أثر مباشر على مستقبل السودان واقتصاده وعلاقاته الخارجية وحتى فرص السلام فيه. وهنا تكمن خطورة الموقف، لأن هذه المواقف جميعاً متوقفة على قدرة السودان على إدارة معركة الترغيب والترهيب بمهارة عالية، دون التفريط في السيادة، ودون الاعتماد على الطيار الآلي، بل بالتحكم الواعي في مسار الهبوط والإقلاع الدبلوماسي.

 

إن المطلوب اليوم هو خطاب دبلوماسي متين، يوازن بين القوة العسكرية على الأرض والقوة الناعمة في دهاليز السياسة الدولية، خطاب يضع السودان في موقع الفاعل لا المفعول به، ويجعل من انتصاراته العسكرية رصيداً يُستثمر في كسب المعركة الدبلوماسية. فالتاريخ يعلمنا أن من يهمل هذه الجبهة يخسر كل شيء، مهما كانت إنجازاته في الميدان.

 

السودان أمام فرصة نادرة ليعيد صياغة علاقاته مع واشنطن على أسس جديدة، أسس تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتستثمر في اللحظة الراهنة لتثبيت موقعه كدولة ذات سيادة قادرة على فرض حضورها في الساحة الدولية. هذه ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة إذا ما أُديرت بذكاء سياسي، وبحس وطني عميق، وبقدرة على قراءة موازين القوى العالمية قراءة دقيقة.

 

فالمعركة الفاصلة اليوم لا تُخاض في ساحات القتال وحدها، بل تمتد إلى دهاليز الكونغرس، وإلى مكاتب جماعات الضغط السياسي، وإلى منابر الإعلام العالمي. ومن يفلح في اقتحام هذه الجبهة المركّبة، يضمن أن دماء الجنود لن تُهدر، وأن النصر العسكري سيتحوّل إلى نصر سياسي ودبلوماسي، يرسّخ مكانة السودان في المحافل الدولية، ويُثبّت له موقعاً راسخاً لا يُنتزع بين الأمم.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

من الذي قتل المواطن احمد عوض الله وكيف.!!

* ليس هناك افضل من الحقيقة في نقل الاخبار … وقالوا (سمح القول في خشيم سيدو)…تع…