‫الرئيسية‬ مقالات السودان… يوم عاد الناس، هل عاد الإنسان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

السودان… يوم عاد الناس، هل عاد الإنسان؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

قبل أن نبدأ…

أدين لقراء #أصل_القضية باعتذارٍ صادق عن هذا الانقطاع الذي طال أكثر مما كنت أريد.

لم يكن الغياب لأن الأسئلة انتهت…

بل لأن بعض الأسئلة تحتاج إلى أن تنضج قبل أن تُكتب.

 

وفي أوقات التحولات وتزاحم الاحداث، يصبح الصمت أحيانًا أكثر مسؤولية من الكلام، حتى لا نسبق الواقع، ولا نستعجل الأحكام، ولا نضيف إلى ضجيج اللحظة رأيًا آخر يرى ظاهر الأحداث ولا ينفذ إلى جوهرها.

لقد ظل هذا العمود، منذ انطلاقه، يحاول ألا يكتب عن الحدث فقط…

بل أن يبحث دائمًا عن أصل القضية الكامن خلفه.

ولذلك، لم يكن السؤال الذي شغلني خلال الأيام الماضية:

 

هل عاد الناس إلى السودان؟

بل كان سؤالًا آخر ظل يزداد إلحاحًا كلما رأيت صور العائدين…

 

> هل عاد الإنسان السوداني؟

 

ذلك لأن الحروب قد تنتهي بتوقف إطلاق النار…

لكنها لا تنتهي بالضرورة داخل الإنسان.

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

منذ أن بدأت ملامح العودة تظهر في السودان، انشغل الناس بسؤال يبدو بديهيًا:

كم أسرة عادت؟

كم حيًا استعاد سكانه؟

كم مدينة بدأت تسترد حياتها؟

 

وهو سؤال مشروع…

لكنه، ربما، ليس السؤال الصحيح.

لأن الحروب الكبرى لا تُقاس بحركة الناس وحدها…

بل بما تفعله في الإنسان.

 

لقد اعتدنا أن نفهم النزوح بوصفه انتقالًا من مكان إلى آخر.

لكن الحرب لا تُخرج الإنسان من بيته فقط…

بل قد تُخرجه من نفسه.

 

ولا تنزع عنه عنوانه البريدي فحسب…

بل قد تنزع منه طريقته في رؤية العالم.

 

ولهذا فإن أخطر ما فعلته هذه الحرب، في تقديري، ليس أنها أخرجت ملايين السودانيين من وطنهم…

بل أنها أخرجت الوطن من داخل الإنسان السوداني.

 

قد تبدو العبارة قاسية…

لكن تأملوا ما جرى.

فالإنسان الذي كان يفتح بابه مطمئنًا…

أصبح يتردد قبل أن يفتح قلبه.

والذي كان يرى في جاره امتدادًا لأمنه…

صار يسأل أولًا: من أنت؟

والذي كان يختلف مع غيره، ثم يجلس معه على ذات المائدة…

 

أصبح يخشى أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، وأن تتحول القطيعة إلى هوية.

 

إن الحرب لا تغيّر الجغرافيا وحدها… بل تعيد هندسة الوجدان.

ولذلك فإنها قد تنتهي عسكريًا…

وتظل مستمرة داخل الإنسان.

 

أولًا… ليست كل عودة عودة

نفرح حين نرى الناس يعودون إلى بيوتهم.

وهذا حق.

لكن العودة إلى البيت ليست دائمًا عودة إلى الوطن.

فالبيت جدران…

أما الوطن فهو الشعور الذي يجعل تلك الجدران بيتًا.

قد يعود الإنسان حاملاً مفتاح منزله…

لكنه يعجز عن استعادة الطمأنينة التي كان يفتح بها الباب.

وقد يعود إلى الحي نفسه…

لكنه لا يعود إلى الثقة نفسها.

وقد يعود إلى المدينة…

بينما يبقى جزء منه عالقًا في ذاكرة الخوف.

ولهذا فإن العودة الجغرافية قد تسبق العودة الإنسانية بسنوات.

 

ثانيًا… الحرب تعيد تشكيل الإنسان قبل أن تعيد تشكيل المدن

حين نتحدث عن إعادة الإعمار، نتذكر الطرق، والجسور، والمطارات، وشبكات الكهرباء.

لكن هذه كلها ليست سوى الوجه المرئي للأزمة.

أما الوجه الذي لا يظهر في الصور…

فهو الإنسان.

ذلك الإنسان الذي تعلم، تحت ضغط الحرب، أن يحتاط أكثر مما يثق.

 

وأن يراقب أكثر مما يبادر.

 

وأن ينجو منفردًا قبل أن يفكر في النجاة الجماعية.

وهنا لا نتحدث عن أخطاء أفراد…

 

بل عن تحولات عميقة تصنعها الحروب في النفس البشرية.

 

ولهذا فإن أخطر آثار الحرب لا تُقاس بعدد المباني المنهارة…

بل بعدد القيم التي تصدعت.

 

ثالثًا… المجتمع لا يعود بعودة السكان

قد تمتلئ الشوارع من جديد.

وقد تعود الأسواق.

وقد تفتح المدارس أبوابها.

 

لكن المجتمع لا يعود بمجرد امتلاء المكان بالبشر.

لأن المجتمع ليس مجموع السكان…

بل شبكة الثقة التي تربط بينهم.

وليس كثافة سكانية…

بل كثافة في العلاقات.

وليس جغرافيا مشتركة…

بل مصيرًا مشتركًا.

 

إن المجتمع لا يُبنى بالإقامة في المكان…

بل بالإيمان بالشريك في المكان.

 

وحين تتآكل هذه الروابط…

قد تبدو المدن مزدحمة…

بينما يعيش الناس في عزلة نفسية لم تعرفها البلاد من قبل.

 

رابعًا… الإنسان… العائق الأعظم والأمل الأكبر

قبل سنوات كتبنا في هذا العمود أن الإنسان السوداني هو العائق الأعظم… وهو الأمل الأكبر.

 

ولم يكن ذلك حكمًا على الإنسان…

بل قراءة في حقيقة الدولة نفسها.

 

فالدول لا يبنيها الإسمنت…

بل الإنسان.

 

ولا يحميها السلاح وحده…

بل الوعي.

 

ولا يحفظها الدستور وحده…

بل الضمير الجمعي.

 

واليوم، وبعد كل ما جرى، تبدو تلك الحقيقة أكثر وضوحًا.

فإذا كان الإنسان هو الذي يستطيع أن يصنع الانقسام…

فهو أيضًا الوحيد القادر على صناعة المصالحة.

 

وإذا كان هو الذي يهدم الثقة…

فهو أيضًا الذي يعيد بناءها.

ولهذا يبقى الإنسان السوداني، رغم كل ما أصابه، هو الأمل الأكبر.

 

خامسًا… إعمار الحجر أسهل من إعمار الإنسان

يمكن للدول أن تعيد بناء جسر.

وأن ترمم طريقًا.

وأن تشيّد مدينة جديدة.

لكنها لا تستطيع أن تُصدر قرارًا بعودة الثقة.

ولا أن تعتمد ميزانية لإعادة الطمأنينة.

ولا أن تطرح عطاءً لإحياء الضمير الوطني.

إن بناء الإنسان هو المشروع الأصعب…

لأنه يبدأ من الوعي.

ومن مراجعة الذات.

ومن استعادة القدرة على رؤية الآخر شريكًا في المستقبل، لا خصمًا في الماضي.

 

ومن منظور الجسر والمورد، فإن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا في المقام الأول…

بل مشروعًا لإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان ووطنه.

 

فالجسور ليست كلها من إسمنت وحديد.

هناك جسور تُبنى بالثقة.

وبالعدالة.

وبالذاكرة الوطنية المشتركة.

وبالقدرة على تحويل الألم من سبب للانقسام…

إلى دافع للنهوض.

إن أغلى مورد يملكه السودان ليس الذهب، ولا الأرض، ولا المياه.

إن أغلى موارده…

هو الإنسان.

فإذا استعاد الإنسان نفسه…

استعاد السودان مستقبله.

 

#أصل_القضية…

ربما أخطأنا، طوال الأشهر الماضية، حين ظللنا نسأل:

كم عاد من الناس إلى السودان؟

لأن السؤال لم يكن يومًا عن الناس…

بل عن الإنسان.

فالناس يستطيعون أن يعودوا بالحافلات والطائرات…

أما الإنسان…

فلا يعود إلا حين يعود إليه شعوره بالأمان.

وثقته في الآخرين.

وإيمانه بأن الوطن أكبر من جراحه، وأوسع من اختلافاته، وأبقى من حروبه.

لقد علمتنا هذه الحرب أن الجغرافيا يمكن أن تُستعاد…

أما الإنسان…

فلا يُستعاد إلا بمشروع وطني يعيد إليه معنى الوطن.

لأن الحرب لم تُخرج الإنسان السوداني من وطنه فقط…

بل أخرجت الوطن من داخل الإنسان.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خطط إعادة الإعمار ليس:

كم طريقًا سنبني؟

ولا كم منزلًا سنرمم؟

ولا كم مدينة سنعيد إليها الخدمات؟

بل…

هل عاد السودان إلى الإنسان السوداني؟

لأن الإنسان هو الذي يُنسب إلى السودان…

لكن السودان، في نهاية المطاف، يُنسب أيضًا إلى الإنسان الذي يحمله في وعيه، وفي ضميره، وفي أخلاقه.

فإذا لم نستطع أن نستعيد الإنسان السوداني… فهل نستطيع حقًا أن نستعيد السودان؟

‫شاهد أيضًا‬

لمن يكتب قبل ان يعلم!!  من هو الدكتور اسامه الفاتح العمرى

إن التساؤلات التي أثارتها بعض الأقلام مؤخراً، والاتهامات الضمنية التي تحاول تصنيف الدكتور …