‫الرئيسية‬ مقالات بروكسل… بداية العزلة الدولية للدعم السريع 
مقالات - ‫‫‫‏‫25 دقيقة مضت‬

بروكسل… بداية العزلة الدولية للدعم السريع 

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي 

صوّت البرلمان الأوروبي، الخميس، بأغلبية كاسحة على قرار يدعو إلى إدراج مليشيا الدعم السريع ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، محملًا إياها مسؤولية انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، في خطوة تعكس تحولًا أوروبيًا لافتًا من التركيز على إدارة الأزمة الإنسانية إلى إعادة تقييم طبيعة أحد أطراف الحرب في السودان.

 

وفي هذا المقال نحاول مناقشة دلالات هذا التحول، وانعكاساته المحتملة على مسار الحرب، ومستقبل التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية.

 

ابتداءً يجب الاشارة الي أن أهمية القرار لا يعني تلقائيًا إدراج المليشيا على قوائم الإرهاب الأوروبية، بقدر ما تكمن الأهمية في دلالاته السياسية وتوقيته، لا سيما في ظل تصاعد الحديث عن تسوية محتملة قد تسبقها تهيئة للمناخ السياسي عبر مثل هذه القرارات، بما قد يعكس تحولًا أوسع في مقاربة المجتمع الدولي للحرب في السودان.

 

فالمجتمع الدولي لم يكتشف الآن جرائم دارفور أو الجنينة أو ود النورة أو الهلالية، إذ ظلت التقارير الأممية والحقوقية توثق تلك الانتهاكات منذ اندلاع الحرب. لكن السياسة لا تتحرك بتراكم الأدلة وحده، بل حين تتقاطع مع تحولات تفرض إعادة تقييم المصالح، وربما تمهد لتفاهمات جديدة. ويبدو أن قرار بروكسل يتحرك في هذا السياق.

 

 

خلال الأشهر الأخيرة، أعادت القوات المسلحة رسم جانب مهم من المشهد العسكري بتحرير الكرمك والتقدم في محاور دارفور وكردفان، ما أضعف فرضية توازن القوى التي حكمت كثيرًا من المبادرات الدولية. ومع تبدل الموازين، دخلت المقاربة الدولية مرحلة مراجعة فرضتها وقائع ميدانية لم تعد تنسجم مع تصورات بداية الحرب.

 

وقد أشرنا في مقال سابق بعنوان “بين المنامة والقاهرة… كيف يُهندس المشهد؟” إلى أن الحراك الإقليمي والدولي بدأ يعيد تموضعه وفق التحولات الجديدة. ويأتي قرار بروكسل في هذا السياق، إذ لم تعد المؤسسات الدولية تكتفي بإدارة الأزمة، بل بدأت تعيد تقييم مواقفها في ظل الحديث عن تسوية محتملة وتداعيات استمرار الصراع.

 

أظهرت تجارب ليبيا واليمن والعراق أن انهيار مؤسسات الدولة لا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية، بل يفتح الباب أمام المليشيات والإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. لذلك لم يعد السودان ملفًا إنسانيًا فقط، بل بات جزءًا من معادلة الأمن الأوروبي. ويمكن قراءة قرار البرلمان الأوروبي ضمن تحول في السردية الدولية تجاه الحرب، يبدأ بالتوثيق الحقوقي والعقوبات وقد يتطور إلى عزلة سياسية وقانونية.

 

وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن إشارات بروكسل مع تحركات الاتحاد الأفريقي لإعادة فتح مكتبه في الخرطوم، واستمرار الاتصالات السودانية الأمريكية. فهذه التطورات تعكس تحرك المشهد السوداني بالدخول إلى مرحلة جديدة، وأن معادلات التفاوض السابقة لم تعد كما كانت. فالميدان لا يحسم الحرب، لكنه يعيد تشكيل حسابات الدبلوماسية التي بدأت ملامحها تظهر في أكثر من عاصمة ومؤسسة دولية.

 

وفي هذا السياق، تم تداول وثيقة محتملة للهدنة والتسوية السياسية، تتضمن مقترحات لوقف الحرب، وآليات للرقابة، ووقف التدخلات الخارجية، وصولًا إلى وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية تمهد لعملية سياسية. غير أن أهمية الوثيقة لا تكمن في بنودها فقط، بل في توقيتها، وما إذا كانت تعكس تحولًا من إدارة الحرب إلى إعادة صياغة شروط التسوية وفق موازين جديدة فرضتها الحكومة السودانية.

 

وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل التحول في البيئة الإقليمية المحيطة بالمليشيا، فالدعوى التي رفعها السودان ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، رغم انتهائها لأسباب إجرائية، نقلت ملف الدعم الخارجي إلى دائرة القانون الدولي، بالتوازي مع استمرار مسار المساءلة بشأن جرائم دارفور. وفي العلاقات الدولية، ترتفع كلفة التحالفات كلما زادت أعباؤها القانونية والسياسية. غير أن هذا التحول لا يتحول تلقائيًا إلى مكسب للسودان ما لم يُستثمر عبر تحرك دبلوماسي وقانوني منظم، فمعركة الشرعية الدولية لا تقل أهمية عن معركة الميدان.

 

وتبرز هنا أهمية استكمال مؤسسات الدولة، وعلى رأسها البرلمان السوداني المرتقب. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد حكراً على وزارات الخارجية، بل أصبحت البرلمانات أحد أهم أدوات التأثير في صناعة القرار الدولي. إن وجود برلمان سوداني فاعل، يتحرك عبر لجان العلاقات الخارجية، ويقيم جسوراً مع البرلمانات الأوروبية والعربية والأفريقية، يمكن أن يحول الموقف السوداني من مجرد مطالبة حكومية إلى قضية تحظى بإسناد سياسي وتشريعي واسع. فالدبلوماسية البرلمانية اليوم تمثل إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيراً في تشكيل الرأي العام وصناعة السياسات.

 

وبحسب “وجه الحقيقة”، فإن ما يجري ليس مواقف دولية متفرقة، بل تحولًا تدريجيًا في البيئة السياسية المحيطة بالحرب في السودان، فالميدان يغير موازين القوة، والدبلوماسية تعيد حساباتها، والمؤسسات الدولية تراجع مقارباتها. ويبقى التحدي أمام الدولة السودانية هو تحويل هذا التحول إلى مكسب سياسي مستدام، يؤسس لسلام يحفظ السيادة ويعيد بناء الدولة. فقد تكون بروكسل بداية مسار جديد تجاه المليشيا، لكنها ليست نهاية المعركة، بل بداية معركة الشرعية وإعادة صياغة مستقبل السودان.

دمتم بخير وعافية.

السبت 11 يوليو 2026 Shglawi55@gmail.com

#بروكسل_والسودان

#الدعم_السريع_منظمة_إرهابية

#البرلمان_الأوروبي

#السودان

#معركة_الشرعية

#الجيش_السوداني

#دارفور

#السياسة_الدولية

#الأمن_الإقليمي

#إبراهيم_شقلاوي

‫شاهد أيضًا‬

رسائل في بريد حاكم إقليم النيل الأزرق [3-5] من “سلة غذاء” إلى “سلة خام”.. متى نكسر تبعيتنا؟

أولاً: نُهنئ أنفسنا وأهل السودان كافة بتطهير الكرمك الحبيبة من دنس المليشيا المغتصبة المتم…