‫الرئيسية‬ مقالات حين تُرمَّم الجدران ويُترك الإنسان: من ينقذ الكادر البشري للإعلام السوداني؟
مقالات - ‫‫‫‏‫14 ساعة مضت‬

حين تُرمَّم الجدران ويُترك الإنسان: من ينقذ الكادر البشري للإعلام السوداني؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد  د.مزمل سليمان حمد

لا أحد يعترض على إعادة إعمار المؤسسات الإعلامية التي دمرتها الحرب، ولا يختلف اثنان حول أهمية إعادة تأهيل مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، واستعادة استوديوهاتها وأجهزتها ومرافقها الفنية. فالمؤسسات الإعلامية الوطنية تمثل جزءاً من ذاكرة الدولة وهيبتها، وإعادة بنائها ضرورة وطنية لا خلاف حولها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: **هل تُبنى المؤسسات بالحجارة والإسمنت وحدهما، أم تبنى أولاً بالإنسان؟*

لقد تناقلت الأوساط الإعلامية أخباراً عن انشغال وزارة الثقافة والإعلام وقياداتها بملف إعادة تأهيل مباني التلفزيون، وهي خطوة إيجابية في حد ذاتها، لكن في المقابل تتزايد شكاوى العاملين من أن الاهتمام بالمباني والمعدات جاء على حساب الإنسان الذي ظل لعقود يصنع الرسالة الإعلامية ويحفظ للدولة صوتها وصورتها.

 

إن المبنى، مهما بلغت فخامته، لا يقدم خبراً، ولا ينتج برنامجاً، ولا يكتب نشرة، ولا يصنع فيلماً وثائقياً، ولا يدير بثاً إذاعياً. كل ذلك يصنعه الإنسان.

 

 

الكادر البشري… رأس المال الحقيقي

 

في علم الإدارة الحديثة، تُجمع المدارس الإدارية على أن المورد البشري هو أهم أصول المؤسسة، بل إن كثيراً من المؤسسات العالمية أصبحت تعتبر موظفيها رأس المال الأول، قبل المعدات والتقنيات.

 

والإذاعة والتلفزيون في السودان لم يصنعا تاريخهما الممتد بعشرات السنين عبر الأجهزة وحدها، وإنما صنعه آلاف الإعلاميين والفنيين والمخرجين والمذيعين والمهندسين والمحررين والمصورين والإداريين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذه المؤسسات.

 

فكيف يصبح هؤلاء آخر الأولويات؟

 

 

الحرب لم تدمر المباني وحدها

 

لقد تركت حرب أبريل آثاراً قاسية على العاملين في القطاع الإعلامي الرسمي.

 

تشرد كثيرون.

 

وفقد آخرون مصادر دخلهم.

 

وتعرض عدد من الزملاء لأمراض مزمنة.

 

وأصبح بعضهم عاجزاً عن توفير تكاليف العلاج.

 

وتوقفت خدمات كانوا يساهمون في تمويلها من مرتباتهم، وعلى رأسها خدمات التأمين الصحي.

 

بل إن هناك من قضى سنوات طويلة في خدمة الدولة، ثم وجد نفسه بعد الحرب وحيداً يواجه المرض والفقر والنسيان.

 

وهل هناك مأساة أكبر من أن يشعر الموظف الذي خدم وطنه لعقود بأنه أصبح خارج دائرة الاهتمام؟

 

أرقام تستحق الوقوف عندها

 

اللافت للنظر أن عدداً كبيراً من الحالات المرضية وسط العاملين السابقين والحاليين يتعلق بأمراض القلب والشرايين.

 

ولا يمكن الجزم بسبب واحد لهذه الظاهرة، لكن كثرة هذه الحالات تدعو إلى التساؤل حول الضغوط المهنية والنفسية والاقتصادية التي عاشها العاملون عبر سنوات طويلة، وما إذا كانت قد أسهمت في تفاقم أوضاعهم الصحية.

 

وهذه ليست قضية طبية فحسب، وإنما قضية إنسانية وإدارية تستوجب برامج للرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي.

 

## المعاشيون… هل أصبحوا خارج الحسابات؟

 

ومن أكثر الملفات إيلاماً ما يتعلق بالمعاشيين.

 

فهؤلاء الذين أمضوا زهرة أعمارهم في خدمة الإعلام الوطني، كان ينبغي أن يحظوا بتقدير خاص، لا أن يتحولوا إلى مجرد كشوفات تُرسل في مواعيدها، بينما تتعطل بقية حقوقهم وإجراءاتهم.

 

والأمم الراقية تُقاس بمدى وفائها لمن خدموها.

 

إدارة الموارد البشرية… بين التيسير والتعقيد

 

يثير العاملون كذلك تساؤلات حول بعض الإجراءات الإدارية المستحدثة، ومنها الاكتفاء بالاتصال الهاتفي في مسائل تتطلب مخاطبات رسمية موثقة، رغم تحسن الأوضاع الأمنية في ولاية الخرطوم وإمكانية إيصال المكاتبات للمعنيين.

 

فالإدارة الرشيدة تقوم على التوثيق والوضوح وحفظ الحقوق، لا على الاجتهادات التي قد تفتح أبواباً للالتباس أو تضيع معها حقوق العاملين.

 

أين مدير الهيئة؟

 

ويتساءل كثير من العاملين عن دور إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في معالجة هذه القضايا.

 

فالهيئة ليست مجرد مبنى أو أجهزة، وإنما مؤسسة تضم آلاف الأسر التي ترتبط حياتها وحقوقها بقراراتها.

 

ومن ثم، فإن الحوار المستمر مع العاملين، والاستماع إلى مشكلاتهم، وإيجاد حلول عملية لها، ينبغي أن يكون في مقدمة أولويات الإدارة.

 

## وكالة السودان للأنباء… الوجع ذاته

 

ولا تقف المعاناة عند الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بل تمتد إلى العاملين في وكالة السودان للأنباء، الذين تحملوا هم أيضاً تبعات الحرب، وواصل كثير منهم أداء واجبهم في ظروف استثنائية، دون أن يجدوا ما يكفي من الرعاية والاهتمام.

 

إن الإعلام الرسمي منظومة واحدة، وأي معالجة جزئية ستظل قاصرة ما لم تشمل جميع مؤسساته.

 

 

رسالة إلى وزير الثقافة والإعلام

 

السيد وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر…

 

لقد كانت أمامكم فرصة تاريخية لتقديم نموذج جديد في إدارة المؤسسات الإعلامية، يقوم على إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وعلى رد الاعتبار للعاملين الذين حافظوا على استمرارية الإعلام الرسمي في أصعب الظروف.

 

ولعل إعادة تأهيل المباني خطوة مطلوبة، لكنها لن تحقق أهدافها إذا بقي أصحاب الخبرة والكفاءة يشعرون بالتهميش.

 

فالمذيع هو الذي يمنح الاستوديو روحه.

 

والمخرج هو الذي يحول الأجهزة إلى عمل إبداعي.

 

والمحرر هو الذي يصنع المحتوى.

 

والمهندس هو الذي يحفظ استمرار البث.

 

أما المباني، فهي مجرد أوعية لهذه الطاقات البشرية.

 

 

 

إلى رئيس مجلس السيادة

 

السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان…

 

إن العاملين في مؤسسات الإعلام الرسمي يمثلون جزءاً من مؤسسات الدولة التي ظلت تؤدي واجبها في أحلك الظروف.

 

واليوم، وهم يواجهون تحديات المعيشة والعلاج والحقوق الوظيفية، فإنهم يأملون في تدخل يضمن إنصافهم، ويعيد الاعتبار للكادر البشري الذي ظل يحمل رسالة الدولة إلى المواطنين.

 

فالاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستمرار مؤسسات الدولة.

 

 

رؤية للإصلاح

 

إن معالجة هذه الأزمة لا تحتاج إلى خطابات مطولة، وإنما إلى قرارات عملية، من أبرزها:

 

* إعادة تفعيل خدمات التأمين الصحي لجميع العاملين والمعاشيين.

* إنشاء صندوق للطوارئ والعلاج للحالات الحرجة.

* مراجعة أوضاع العاملين المتأثرين بالحرب وتسوية حقوقهم.

* فتح قنوات مباشرة للتواصل مع العاملين والاستماع إلى قضاياهم.

* إعادة الاعتبار لإدارة الموارد البشرية وفق معايير العدالة والشفافية.

* وضع برنامج متكامل للرعاية الاجتماعية والنفسية للعاملين.

* إشراك الكفاءات الإعلامية في خطط إعادة بناء المؤسسات، باعتبارها شريكاً لا مجرد موظفين.

 

 

خاتمة

 

إن إعادة بناء الإعلام السوداني لا تبدأ بالإسمنت ولا تنتهي بالأجهزة الحديثة، وإنما تبدأ بالإنسان.

 

فالإنسان هو الذي يكتب الخبر، ويقدم النشرة، ويصنع البرنامج، ويحفظ ذاكرة الوطن.

 

ومن المؤسف أن يشعر كثير من الإعلاميين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السودان بأنهم أصبحوا غرباء داخل مؤسساتهم.

 

إن التاريخ لا يخلّد من شيّد المباني فحسب، وإنما يخلّد من أنصف البشر، وحفظ كرامتهم، وصان حقوقهم.

 

ويبقى الأمل قائماً في أن تعيد وزارة الثقافة والإعلام ترتيب أولوياتها، فتضع الإنسان في المقدمة، لأن الإعلام الحقيقي لا تصنعه الجدران، بل تصنعه العقول والضمائر والكفاءات التي آمنت برسالتها، وظلت تؤدي واجبها مهما اشتدت المحن.

‫شاهد أيضًا‬

حاكم إقليم النيل الأزرق يصدر قراراً بتعيين قيادة ورؤساء لجان الاستنفار والمقاومة الشعبية

​أصدر حاكم إقليم النيل الأزرق، اليوم الأحد، القرار الإقليمي رقم (27) لسنة 2026م، والقاضي ب…