إعادة بناء الثقة الوطنية
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في لحظة تاريخية فارقة تمر بها الأوطان، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف يمكن إعادة بناء الثقة الوطنية وترميم الانقسام الذي يهدد وحدة الصف ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات. إن الثقة الوطنية ليست مجرد شعور عابر أو خطاب إنشائي، بل هي ركيزة أساسية لوجود الدولة واستمرارها، وهي العقد غير المكتوب الذي يربط المواطن بوطنه ويجعله يقدم الولاء والانتماء والالتزام بالمصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار. إن فقدان هذه الثقة يؤدي إلى اهتزاز البنيان الاجتماعي والسياسي، ويجعل الانقسام الداخلي أرضاً خصبة للتدخلات الخارجية ولتفكك النسيج الوطني، وهو ما يستدعي صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الولاء للوطن والالتزام بمصالحه العليا.
إن إعادة بناء الثقة الوطنية تتطلب أولاً الاعتراف بوجود أزمة ثقة، فالمجتمعات لا يمكن أن تتجاوز أزماتها إذا لم تواجهها بشجاعة وشفافية. الاعتراف هنا ليس ضعفاً بل قوة، لأنه يفتح الباب أمام إصلاح حقيقي يضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة. ومن ثم يأتي دور القيادة الوطنية في تقديم نموذج يحتذى به في النزاهة والعدل والشفافية، لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات وإنما بالممارسة اليومية التي يلمسها المواطن في حياته. فحين يرى المواطن أن القانون يطبق بعدالة، وأن الموارد توزع بإنصاف، وأن صوت الشعب مسموع، فإنه يستعيد ثقته في الدولة ويشعر أن ولاءه للوطن ليس مجرد واجب بل هو شرف ومسؤولية.
أما ترميم الانقسام، فهو عملية معقدة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية. الانقسام ليس مجرد خلاف سياسي أو تنافس حزبي، بل هو شرخ في الوجدان الوطني يحتاج إلى جهد جماعي لإعادة اللحمة. هنا يبرز دور الحوار الوطني الشامل الذي يجمع كل الأطياف دون إقصاء أو تهميش، لأن الوطن لا يُبنى بفئة واحدة ولا يستقيم إذا غابت أصوات مكوناته. الحوار يجب أن يكون صادقاً، قائماً على الاحترام المتبادل، وعلى إدراك أن التنوع قوة وليس ضعفاً، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء بل هو دليل على حيوية المجتمع. إن ترميم الانقسام يتطلب أيضاً معالجة جذور الأزمة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، لأن الانقسام غالباً ما يكون انعكاساً لخلل في توزيع السلطة أو الثروة أو الفرص.
العقد الاجتماعي الحديث الذي ننشده يجب أن يقوم على الولاء للوطن والالتزام بمصالحه العليا، وهو عقد يتجاوز الولاءات الضيقة للقبيلة أو الحزب أو الطائفة، ليضع الوطن في المركز. هذا العقد يجب أن يُبنى على ثلاثة أعمدة أساسية: أولاً العدالة التي تضمن لكل مواطن حقوقه، ثانياً المشاركة التي تجعل المواطن شريكاً في القرار لا مجرد متلقٍ له، وثالثاً المسؤولية التي تلزم الجميع بالعمل من أجل الصالح العام. بهذا العقد يصبح الولاء للوطن ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في احترام القانون، وفي حماية الموارد الوطنية، وفي الدفاع عن وحدة التراب الوطني.
إن إعادة بناء الثقة الوطنية وترميم الانقسام ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. هي رحلة طويلة تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وإلى وعي شعبي متجذر، وإلى مؤسسات قوية قادرة على ترجمة المبادئ إلى واقع ملموس. هذه الرحلة تبدأ بخطوة صغيرة لكنها حاسمة: أن نضع الوطن أولاً، وأن ندرك أن مصالحه العليا هي البوصلة التي يجب أن توجه كل قرار وكل سياسة وكل موقف. حينها فقط يمكن أن نستعيد الثقة المفقودة، وأن نرأب الصدع، وأن نكتب معاً عقداً اجتماعياً جديداً يليق بوطن يستحق أن نحيا من أجله ونفديه بأرواحنا.
إن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها،بل هو هوية وذاكرة ومستقبل وإذا كان الانقسام قد مزق الصفوف، فإن الثقة الوطنية هي الغراء الذي يعيد لصقها، والعقد الاجتماعي الجديد هو الإطار الذي يحفظها. فلنضع أيدينا معاً، ولنجعل الولاء للوطن فوق كل ولاء، ولنجعل الالتزام بمصالحه العليا هو العهد الذي لا يُنكث، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالثقة، ولا تُحفظ إلا بالوحدة، ولا تُخلّد إلا بالعقود التي تُكتب في القلوب قبل أن تُكتب في الدساتير.
meehad74@gmail.com
كامل إدريس يضع مبادرة سلام السودان أمام ترويكا السيسا
التقى رئيس مجلس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، اليوم بالخرطوم، وفد لجنة ترويكا السيسا الذي ي…





