لماذا أبيي ومن يقف وراء تفجير ملفها في هذا التوقيت الحرِج؟
واقع معاش اللازم السفير

تظل منطقة أبيي بمساحتها البالغة نحو (10,460) كيلو متر مربع والممتدة على الحدود الفاصلة بين ولايات غرب كردفان وشرق دارفور شمال وشمال بحر الغزال والوحدة جنوب تشكل جسراً جغرافياً وثقافياً بين الشمال والجنوب، وموطناً للتعايش التاريخي بين قبائل “دينكا نوق” والقبائل العربية كـ “المسيرية”. حولي (250000) الف نسمة
غير أن هذا الموقع الاستراتيجي لم يسلم من محاولات التوظيف خاصة عند العودة إلى عيوب وتعديلات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، والتي تركت ثلاث ثغرات بمثابة قنابل موقوتة تمثلت في منطقة أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث أُخضعت كل منها لتدابير واستثناءات مؤقتة أرجأت الحسم وشجعت على تجدد الأزمات.
ولعل السؤال الجوهري والملحّ الذي يفرض نفسه اليوم بقوة على المشهد السياسي والإقليمي هو لماذا ( أبيي) ومن يقف تحديداً وراء إعادة فتح هذا الملف المتفجر في هذا التوقيت الحرِج من يحرك حكومة جنوب السودان وهي تعلم تمام الوضع الراهن والمعقد الذي يمر به السودان، والذي يخوض حرب داخلية شرسة منذ أبريل 2023 ومن هذا المنطلق قرار المفوضية القومية للإنتخابات في جوبا بإدراج إدارية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية لولاية واراب لم يكن الخيار الصحيح ولا التوقيت المناسب على الإطلاق.
وبدلاً من إبداء حسن الجوار ومراعاة الظرف الحرِج للبلد الشقيق، اختارت جوبا العجلة ومحاولة فرض واقع جديد على الأرض يتجاوز نصوص الاتفاقيات ويهدد السلام الاجتماعي ولم يكن هذا التلميح هو الاول في العام 2022 م قامت بخوة ممثالة.
وحينما أعلنت وزارة الخارجية السودانية رفضها الصريح لهذه الخطوة الاستباقية بررت حكومة جنوب السودان قرارها بأن منطقة أبيي كانت مدرجة ضمن الدوائر الانتخابية في عام 2010. و فات على حكومة الجنوب أن عام 2010 لم يكن فيه دولة مستقلة تُدعى (جنوب السودان) بل كان هناك (السودان الواحد) بجميع ولاياته الـ 26، وكانت تلك الانتخابات انتخابات قومية شملت كافة أرجاء البلاد الواحدة قبل الاستفتاء والانفصال وشتان ما بين إجراء انتخابات في وطن موحد، وبين محاولة دولة مستقلة اليوم، استعجال حكومة جنوب السودان بوضع أبيي ضمن دوائرها الانتخابية هو تكرار ذات الخطأ الكارثي الذي ارتكبته في عام 2011 م.
حينما قامت بتنظيم استفتاء أحادي الجانب رفضته الخرطوم والمجتمع الدولي. وهذا السلوك يتجاهل حقيقة ثبتتها القوانين والمواثيق كافة، وهي أن جميع المراجعيات والتشريعات أعطت الحق الكامل لأصحاب الأرض وسكان أبيي الأصليين وحدهم لتقرير مصيرهم عبر الآليات المشتركة والتوافقية، وليس بفرضه قسراً عبر جوبا بل سكان أبيي أنفسهم من كافة المكونات أبدوا في شواهد ومواقف متعددة رفضهم القاطع لهذه الإجراءات الأحادية واستنكارهم لأي محاولات تُفضي إلى الصراع والتغيير القسري.
وهنا يتضح الخيط الخفي في اللعبة الإقليمية إذ لا يمكن فصل هذه الخطوة عن القوى الخارجية والأعداء الإقليميين الذين يمتلكون أطماع متزايدة في القارة الأفريقية. فلا يستبعد أحد أن الدول والجهات الإقليمية التي تذكي وتدعم الحرب المشتعلة في السودان اليوم، هي ذاتها التي تحرك ملف أبيي من خلف الستار، مستغلة التباين في عناصر الهوية الثلاثة الدين والعرق واللغة كـ سلاح لوقع الخلافات بين مكونات المنطقة. ترك الوسطاء الدوليون ذوو الأجندات الخاصة هذه القضية كقنبلة موقوتة وحرب مؤجلة، لتستغلها القوى الإقليمية اليوم في صناعة بؤرة نزاع واستنزاف جديدة.
منطقة أبيي، بدلاً من أن تُساق نحو المحارق والنزاعات الأحادية، تملك كل المقومات والتكامل الممكن لتكون منطقة تجارية واقتصادية حرة ومشتركة تدعم اقتصاد الدولتين الجارتين وتخدم أمن واستقرار مجتمعاتها. وعلى حكومة جنوب السودان أن تعود إلى صوت العقل والالتزام بالمرجعيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية 2011 وقرار مجلس الأمن رقم 2046، والتوقف عن خطوة ضم أبيي انتخابياً؛ فالتعقل في ظل الحرب السودانية الراهنة هو الضمان الوحيد لإبطال مفعول القنبلة الموقوتة وتفويت الفرصة على القوى الإقليمية التي تتربص بأمن واستقرار المنطقة بأسرها.
مافيش فايدة !!
لا قيمة للمجهزدات الجبارة التي تبذلها الاجهزة الأمنية بمختلف مسمياتها، في مداهمة وملاحقة و…





