‫الرئيسية‬ مقالات كيف تخرج الامارات من عمق الزجاجة دون أن تكسرها؟
مقالات - ‫‫‫‏‫38 دقيقة مضت‬

كيف تخرج الامارات من عمق الزجاجة دون أن تكسرها؟

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

في المشهد السوداني المشتعل، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، يطفو سؤالاً ملحاً حول الدور الإماراتي الذي بات مثار جدل واسع. فبعد أن تعثرت رهانات المشروع الاستعماري في السودان، يبرز التساؤل عن مدى جرأة أبوظبي في إعادة حساباتها وسحب جزء من المرتزقة الذين جلبتهم لدعم مليشيات الدعم السريع، في إطار شبكة معقدة من التحالفات التي تربطها بالولايات المتحدة وإسرائيل في معارك تمتد من الخرطوم إلى غزة وإيران. الإمارات، التي لا يمكن أن تخرج من المولد بلا حمصاً، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي: كيف تحافظ على مصالحها دون أن تتحول إلى ضحية لعبة أكبر منها، وكيف تخرج من عمق الزجاجة دون أن تكسر الزجاجة بما فيها من معترك سوداني متشابك.

 

الإمارات تفكر بمنطق الربح والخسارة، فهي دولة صغيرة الحجم جغرافياً لكنها ضخمة الطموح سياسياً واقتصادياً، وتدرك أن أي انسحاب غير محسوب سيضعف صورتها كقوة إقليمية صاعدة. لذلك، فإن قرارها لا يُبنى فقط على حسابات عسكرية وإنما على شبكة مصالح اقتصادية واستراتيجية تمتد من موانئ البحر الأحمر إلى أسواق الطاقة العالمية. السودان بالنسبة لها ليس مجرد ساحة صراع، بل بوابة إلى إفريقيا وورقة ضغط في مواجهة خصومها الإقليميين.لكن الفشل في تحقيق الحسم العسكري يضعها أمام مأزقاً: هل تستمر في ضخ الأموال والمرتزقة في حرب استنزاف، أم تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه؟.

 

في غزة، حيث تتشابك خيوط الحرب مع إيران، تجد الإمارات نفسها في موقع حساس. فهي من جهة تسعى لإرضاء الحليف الأمريكي والإسرائيلي، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول إلى هدف مباشر لغضب الشعوب العربية والإسلامية التي ترى في دعمها لهذه الحروب خيانة للقضية الفلسطينية. هذا التناقض يضعها أمام معادلة صعبة: كيف توازن بين التحالفات الدولية وبين الشرعية الشعبية التي تتآكل يوماً بعد يوماً؟ وكيف تبرر تدخلها في السودان بينما تغض الطرف عن معاناة الفلسطينيين؟

 

الخروج من الزجاجة يتطلب من الإمارات استراتيجية جديدة، تقوم على إعادة التموضع بدلاً من الانغماس في حروب الآخرين. قد تلجأ إلى فتح قنوات تفاوض مع قوى إقليمية مثل السعودية عن طريق أمريكا اوتركيا ومصر، أو حتى مع أطراف داخل السودان، لتظهر بمظهر الوسيط لا الممول للحرب. لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي خطوة ناقصة قد تكلفها الكثير، وأن الانسحاب دون مكاسب ملموسة سيُقرأ كهزيمة سياسية وعسكرية. لذلك، فإنها تبحث عن صيغة تحفظ لها دوراً في إعادة تشكيل المشهد السوداني، وتضمن لها نصيباً من الكعكة الإفريقية، دون أن تدفع ثمن الانكسار أمام خصومها.

 

إن الإمارات اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستمر في سياسة المغامرة التي قد تقودها إلى مواجهةمفتوحة مع قوى إقليمية ودولية، وإما أن تعيد حساباتها وتتبنى سياسة أكثر واقعية تقوم على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب عبر الدبلوماسية والاقتصادبدلاً من السلاح والمرتزقة وفي كل الأحوال، فإن خروجها من المولد بلا حمصاً لم يعد خياراً ،بل إن السؤال الحقيقي هو: أي حمص ستأخذه، وبأي ثمن؟.

 

المشهد السوداني ليس معزولاً عن غزة وإيران، بل هو جزء من لوحة أكبر ترسمها القوى العظمى وتشارك فيها الإمارات كلاعب يبحث عن دور أكبر من حجمه الطبيعي.لكن التاريخ يعلمنا أن من يدخل الزجاجة قد يجد صعوبة في الخروج منها، وأن كسر الزجاجة قد يعني تحطم كل ما بداخلهافهل تملك الإمارات الشجاعة لتغيير مسارها قبل أن تنكسر الزجاجة بما فيها؟ أم أنها ستظل أسيرة رهاناتها حتى النهاية؟.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

التيار الشبابي المستقل: إشراك الجميع شرط أساسي لنجاح أي حوار وطني

أكد التيار الشبابي المستقل تمسكه بإنجاح مسار الحوار الوطني الشامل، مشدداً على ضرورة أن تقو…