هل يجوز إطلاق لفظ الدين على كل جماعة؟*(٢)
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

من أعظم ما يجب ضبطه في زمن كثرت فيه الخصومات الفكرية والسياسية، *دقة الألفاظ؛ فإن الكلمة قد تُراد بها معانٍ صحيحة، لكن صياغتها تفتح أبوابًا من اللبس، أو تُستغل في الطعن في الإسلام من حيث لا يشعر قائلها*
والقاعدة التي قررها أهل العلم *أن الإسلام دين الله الكامل، وأما أفعال المنتسبين إليه فليست هي الإسلام نفسه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾* [المائدة: 3]، وقال سبحانه: *﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾*[آل عمران: 19].
ولهذا فإن كل مسلم بعد رسول الله ﷺ يؤخذ من قوله ويُرد، ولا يُجعل خطؤه جزءًا من الدين، قال الإمام مالك رحمه الله: *”كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، وأشار إلى قبر النبي ﷺ*
ومن هنا يجب التفريق بين أمرين:
*الأول: من أنشأ دينًا أو مذهبًا يناقض الإسلام في أصوله، أو دعا إلى عقائد تهدم ما جاء به النبي ﷺ، فحينئذٍ تصح نسبة ذلك الدين إليه، لأنه أصبح مذهبًا مستقلاً يخالف الإسلام. ولهذا لا حرج في أن يقول المسلم: أكفر بالعلمانية إذا جُعلت منهجًا يُقصي شريعة الله عن الحياة، أو يقول: أكفر بدين من ادعى رسالة جديدة بعد محمد ﷺ، لأن هذه المذاهب تقوم على أصول تناقض الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾* [آل عمران: 85]، وكذلك الفرق الباطنية التي أقامت معتقداتها على أصول تناقض الإسلام، كادعاء العصمة المطلقة، أو نسخ الشريعة، أو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو ادعاء الوحي بعد خاتم الأنبياء، فهذه لا يُنظر إليها على أنها مجرد أخطاء اجتهادية، بل هي مذاهب تخالف دين الإسلام في أصوله.
*أما الأمر الثاني، فهو من ينتسب إلى الإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويعتقد أصول أهل السنة أو غالبها، لكنه يقع في أخطاء سياسية، أو اجتهادات فاسدة، أو ظلم، أو استبداد، أو مخالفات شرعية، أو حتى بدع لا تخرجه من الإسلام؛ فهذا لا يجوز أن* *يُجعل له “دين” مستقل، لأن الخطأ لا ينشئ دينًا جديدًا.ولهذا كان منهج أهل السنة هو التفريق بين نقد الخطأ والطعن* *في الدين، فيقال: أخطأ، أو ابتدع، أو ظلم، أو خالف السنة، أو خالف النصوص، أو انحرف في هذا الباب، ولا يقال: هذا دين آخر، لأن ذلك يوهم أن الإسلام الذي ينتسب إليه غير الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ.*
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الأصل بقوله: *”ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ”، فالعبرة بموافقة الكتاب والسنة، لا بالأسماء ولا بالانتماءات* وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام: *”كل من ابتدع في الدين فبدعته مردودة عليه”*، ولم يقل إن البدعة تُخرج صاحبها من الإسلام بإطلاق، *بل فرّق بين البدع المكفرة وغيرها، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
*ولهذا أيضًا كان أئمة السنة يردون على الخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم، ومع ذلك كانوا يفرّقون بين من وقع في* *بدعة، وبين من خرج من الإسلام، فلا يوسعون دائرة التكفير، ولا ينشئون لكل خطأ دينًا مستقلاً.*
وقد يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، ويظن أن الآية دليل على إطلاق لفظ “الدين” على كل مخالف.
وهذا الاستدلال في غير موضعه؛ لأن الآية خطاب للمشركين الذين كانوا على دين مستقل يخالف الإسلام، كما قال ابن كثير رحمه الله: أي: لكم شرككم ولي توحيدي. فالآية تتحدث عن التمايز بين الإسلام والكفر، لا بين المسلمين الذين يقع بعضهم في الخطأ أو البدعة أو المعصية.
*إن من أخطر ما يقع فيه بعض الكُتّاب أن يجعل أخطاء بعض المنتسبين إلى الإسلام مبررًا للطعن في الدين نفسه، فيتحول نقد الأشخاص إلى نقد الإسلام، وهذا هو المسلك الذي طالما استغلته التيارات المناوئة للدين؛ إذ تنقل النقاش من محاسبة المخطئين إلى التشكيك في الشريعة ذاتها.*
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي *أن تُنسب الأخطاء إلى أصحابها، وأن يُبرأ الإسلام منها، وأن يبقى ميزان الحكم هو قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾* [الأحزاب: 36].
فالواجب *ليس تبرئة الأشخاص، ولا الدفاع عن أخطائهم، بل ردها وبيان بطلانها، مع الحفاظ على الفرق الواضح بين الدين المعصوم والاجتهاد البشري القابل للخطأ. فبهذا يتحقق العدل الذي أمر الله به، وتُسد الأبواب أمام من يريد أن يجعل أخطاء المسلمين سُلَّمًا للطعن في الإسلام نفسه.*
وزير التخطيط بولاية الجزيرة يؤكد الالتزام بقانون التصرف في الاراضي وعدم بيعها خارج المزادات العقارية
اكد المهندس ابوبكر عبدالله وزير التخطيط العمراني بولاية الجزيرة عدم التصرف في الاراضي الحك…





