‫الرئيسية‬ مقالات البرهان في جبرة وأم سيالة حين يتكلم الميدان ويصمت الضجيج
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

البرهان في جبرة وأم سيالة حين يتكلم الميدان ويصمت الضجيج

عوض الكريم إبراهيم محمد إبراهيم

منذ اندلاع معركة الكرامة، ظلت بعض العبارات التي يرددها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان محل جدل واسع، حتى أصبحت تتصدر المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن أشهرها قوله حفر الإبرة وشرك أم زيدو. وسارع كثيرون إلى تفسيرها بأنها تعني البطء والتردد وإطالة أمد الحرب، بينما كانت الأيام تخبئ التفسير الحقيقي، وهو أن الحرب لا تدار بالعواطف ولا بالشعارات، وإنما تدار بالعقل، والتخطيط، والخداع العسكري، وحسن استثمار الزمن.

 

إن الذين استهزأوا بمقولة حفر الإبرة كانوا ينظرون إلى الحرب بعين الناشط المستعجل الباحث عن المكسب الإعلامي، لا بعين القائد العسكري الذي يعلم أن المعارك لا يحسمها الصراخ أو الاستعجال، وإنما تحسمها المعلومة الدقيقة، والإعداد المحكم، والمباغتة في ساعة لا يتوقعها الخصم. ولذلك كان البرهان يحفر إبرته بصمت، بينما كان التمرد يحفر قبره بيده وهو يظن أنه يقترب من النصر.

 

لقد ملأ التمرد الدنيا ضجيجا، وأغرق منصاته بالوعيد، وروج أن الأبيض أصبحت على مرمى حجر، وأن سقوطها مسألة وقت لا أكثر. وانساقت خلف هذه الدعاية أبواق مأجورة، وغرف إعلامية، وجهات خارجية كانت تتمنى سقوط المدينة لتعلن أن السودان قد دخل مرحلة جديدة من التقسيم والفوضى. حتى إن بعض المنظمات الدولية بدأت تتحدث وكأن الأبيض أصبحت خارج سيطرة الدولة وتترجى الدعم السريع أن يرفق بأهل الأبيض.

 

لكن البرهان كان يكتب رواية أخرى.

 

فبينما كانت الأبواق الإعلامية ترفع أصواتها، كانت القوات المسلحة تراقب وتتابع وتحلل وتنتظر اللحظة المناسبة. وعندما جاءت ساعة التنفيذ، انهارت الأحلام في ساعات، وسقطت بارة، ثم أم سيالة، ثم جبرة الشيخ، ثم أم بادر، لتنهار معها أكبر خطة عسكرية أعدها التمرد منذ شهور.

 

ولم تكن أهمية هذه المناطق في مساحتها الجغرافية، وإنما فيما كانت تخفيه من حشود هائلة. فقد كانت مخازن للسلاح، ومستودعات للذخائر، وقواعد لتجميع المقاتلين، ومنصات لانطلاق الهجوم المرتقب على الأبيض. وكانت مئات العربات القتالية ومصفحات، وآلاف المقاتلين قد جرى حشدهم، وأطنان الذخائر والأسلحة تدفقت من دويلة الشر التي لم تتوقف عن دعم مشروع الفوضى وتدمير السودان.

 

لقد كان المخطط واضحا، وهو إسقاط الأبيض، ثم فتح الطريق نحو بقية ولايات السودان، لإحداث انهيار نفسي قبل أن يكون انهيارا عسكريا. لكن هذا المخطط اصطدم بقيادة كانت تعمل في صمت، وتعرف متى تتحرك، وأين تضرب، وكيف تحول نقاط قوة العدو إلى أسباب هزيمته.

 

وهنا تجلت عبقرية التخطيط العسكري. فما جمعه التمرد خلال أشهر طويلة فقده في ساعات قليلة. وما ظنه قوة ضاربة تحول إلى غنائم في يد القوات المسلحة، وخسائر موجعة في الأرواح والآليات والأسلحة، وانهيار كامل في الروح المعنوية.

 

ولم تكن الهزيمة مادية فقط، بل كانت هزيمة نفسية قاسية. فالمقاتل الذي أقنعوه بأنه سيدخل الأبيض منتصرا، وجد نفسه يبحث عن طريق للنجاة، وبدأت مجموعات تعلن رغبتها في الاستسلام، بعدما أدركت أن قياداتها باعت لهم أوهاما، وأنهم زجوا في معركة خاسرة منذ بدايتها.

 

أما الجيش السوداني، فقد أثبت مرة أخرى أنه جيش دولة، لا جيش مليشيا. جيش يعرف أن الانتصار يحتاج إلى صبر، وأن المحافظة على أرواح جنوده لا تقل أهمية عن تحقيق المكاسب العسكرية، وأن حسن إدارة المعركة أهم من الاستعراض الإعلامي. ولذلك ظل يتقدم بخطوات محسوبة، حتى جاءت اللحظة التي انقلبت فيها الموازين بالكامل.

 

ثم جاءت زيارة البرهان إلى جبرة الشيخ وأم سيالة، ولم تكن مجرد زيارة بروتوكولية أو استعراضية، وإنما كانت رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد. رسالة إلى المقاتلين بأن قائدهم بينهم في خطوط التماس، ورسالة إلى المواطنين بأن الدولة حاضرة، ورسالة إلى التمرد ومن يقف خلفه بأن زمام المبادرة أصبح في يد القوات المسلحة، وأن مرحلة الدفاع قد تحولت إلى مرحلة مطاردة واستنزاف حتى القضاء على آخر بؤر التمرد.

 

كما حملت الزيارة رسالة إلى الداعمين الإقليميين للمليشيا، مفادها أن الأموال والأسلحة التي أنفقوها ذهبت هباء، وأن رهانهم على إسقاط الدولة السودانية قد سقط في ميادين القتال قبل أن يسقط في الحسابات السياسية. فلا السلاح المهرب صنع نصرا، ولا المال اشترى إرادة شعب، ولا المؤامرات استطاعت أن تكسر جيشا ظل عبر تاريخه عنوانا للصمود والثبات.

 

إن أخطر ما أصاب التمرد اليوم ليس خسارة المدن، وإنما خسارة الثقة. فحين يفقد المقاتل ثقته في قيادته، ويفقد القائد ثقته في خططه، ويفقد الداعم ثقته في المشروع الذي يموله، تكون الهزيمة قد وقعت، حتى وإن استمرت بعض الجيوب في إطلاق النار.

 

لقد أثبتت معارك شمال كردفان أن الدول لا تبنى بالارتزاق، ولا تحمى بالمليشيات، وأن من يحمل السلاح في وجه وطنه لا يمكن أن يكون صانع مستقبل له. كما أثبتت أن السودان، مهما تكاثرت عليه المؤامرات، يملك من الرجال والمؤسسات ما يجعله قادرا على تجاوز المحن والانتصار عليها.

 

واليوم، وبعد أن تكلم الميدان، لم يعد للضجيج قيمة، ولم تعد للشعارات سوق، ولم يبق إلا صوت الحقيقة الذي يكتبه الرجال بدمائهم، وتوثقه الوقائع على الأرض. وما بين حفر الإبرة وشرك أم زيدو تكشفت حقيقة لم يفهمها كثيرون إلا بعد فوات الأوان، وهي أن الصبر إذا اقترن بالحكمة أصبح نصرا، وأن التخطيط إذا صاحبه الإيمان بالقضية، فإنه يصنع من المستحيل واقعا، ويحول أحلام الأعداء إلى هزائم تدرس في صفحات التاريخ.

 

الاثنين 27 يوليو 2026

 

محلية مروي – تنقاسي الرويس

‫شاهد أيضًا‬

نداء : الجميلة ومستحيلة 

في سعينا الدؤوب توثيقًا للخرطوم ما بعد الحرب شرفت اليوم بزيارة جامعة الخرطوم ((الجميلة ومس…