رحلة فى وطن الإنسانية مدينة الأقصر… عطاء عبر التاريخ
.اسامه الفاتح العمرى

هناك مدن يخلدها التاريخ بما شيدته من معابد وقصور، ومدن يخلدها الإنسان بما تقدمه من رحمة وعطاء. أما الأقصر، فقد اختارت أن تجمع المجدين معا؛ فهي مدينة تحفظ ذاكرة الحضارة المصرية منذ آلاف السنين، وتكتب اليوم فصلا جديدا من الحضارة عنوانه الإنسان.
جئت إلى الأقصر أحمل في ذهني صورة مدينة الآثار، فإذا بي أغادرها وأنا أحمل صورة مدينة الحياة.
وفي قلب هذه المدينة يقف مستشفى شفا الأورمان، ليس مجرد مؤسسة طبية متخصصة، بل مشروع حضاري وإنساني يؤكد أن الأمم العظيمة لا تقاس بما تملكه من مبان، وإنما بما تبنيه من إنسان.
من السهل أن نصف مبنى حديثا أو أجهزة متطورة، لكن من الصعب أن نصف ذلك الشعور الذي ينتابك منذ اللحظة الأولى لدخول هذا الصرح. تشعر أن كل شيء هنا صمم ليقول للمريض: أنت لست رقما في ملف طبي، بل إنسان له كرامته، وله الحق في العلاج، وفي الأمل، وفي الحياة.
وخلف هذا الإنجاز يقف جيش من المخلصين، لا يعرف كثير منهم الأضواء ولا يبحث عنها. مانحون ومتبرعون آمنوا بأن أعظم الصدقات هي التي تعيد البسمة إلى طفل، وأطباء جعلوا من العلم رسالة ومن الرحمة منهجا، وممرضون يداوون بالكلمة قبل الدواء، ومهندسون صمموا المكان ليكون جزءا من رحلة الشفاء، وإداريون واقتصاديون وفنيون وتقنيون ومتطوعون، يعمل كل واحد منهم بصمت، لكن اجتماع جهودهم هو الذي صنع هذه المعجزة الإنسانية.
غير أن أكثر ما هز وجداني لم يكن الأجهزة الحديثة، ولا غرف العمليات، ولا الإمكانات الطبية، وإنما أولئك الأطفال.
حملت بين يدي الطفل إسماعيل، ولم يكن قد تجاوز ثلاثة أشهر من عمره. كان صغيرا إلى الحد الذي يجعلك تخشى أن تلامسه، لكنه كان كبيرا بما يحمله من معنى. وبينما كنت أتأمل وجهه البريء، شعرت وكأن آلاف السنين من الحضارة المصرية تبتسم من خلاله، وكأن المستقبل كله يستريح في كفي.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمل لا يقاس بالعمر، وأن طفلا رضيعا قد يمنح الكبار درسا في الصبر والثقة بالله لا تمنحه الكتب.
ثم التقيت بالطفل طه
رأيت طفلا يحمل من الشهامة ما يكفي ليعيد تعريف معنى الشجاعة، ورأيت سعيدا، وخالدا، وأسماء مباركة كثيرة، لكل واحد منهم قصة قد تعجز الكلمات عن روايتها، لكن أعينهم كانت تتحدث بلغة يفهمها كل إنسان. لم أر فيهم استسلاما، بل رأيت إرادة حياة، ورأيت ابتسامات تهزم الألم، وكبرياء يرفض أن ينحني للمرض.
خرجت من بينهم وأنا على يقين أننا نحن الذين كنا نتلقى العلاج، لا هم.
لقد علمونا أن القوة ليست في الجسد، وإنما في الروح، وأن الإنسان قد يكون صغيرا في السن، لكنه عظيم في الإيمان، واسع في الأمل، كبير في الكرامة.
وما يميز مستشفى شفا الأورمان أنه لا يقدم علاجا فحسب، بل يصنع مدرسة في العطاء. هنا لا يحتكرون المعرفة، بل يوزعونها كما يوزعون الأمل. يدربون الأطباء، ويؤهلون الكوادر، وينقلون الخبرات إلى الآخرين، وخاصة إلى الدول الأقل حظا من الإمكانات، لأنهم يؤمنون بأن العلم رسالة إنسانية لا يجوز أن تقف عند حدود الجغرافيا.
ورأيت أطباء أنهكتهم ساعات العمل الطويلة، ثم رأيتهم يستعدون للسفر لتدريب غيرهم أو لعلاج مرضى في أماكن أخرى. كانوا يتحركون في هدوء وتواضع حتى ليخيل إليك أنهم زائرون، بينما هم في الحقيقة جنود مجهولون يحملون الحياة حيثما ذهبوا. لا يتحدثون كثيرا عن تضحياتهم، لأن أعظم الأعمال هي تلك التي تؤدى بصمت.
إن ما يحدث في هذا المستشفى ليس نجاحا طبيا فقط، بل نجاح أخلاقي وإنساني. إنه نموذج يقول للعالم إن المؤسسات العظيمة لا تبنى بالأموال وحدها، وإنما تبنى بالرؤية، وبالإدارة، وبالعلم، وبالإيمان بأن الإنسان هو أعظم قيمة في الوجود.
ومن الأقصر، المدينة التي علمت البشرية كيف تبني الحضارة بالحجر، يخرج اليوم درس جديد يعلمها كيف تبني الحضارة بالرحمة.
إننا لا نشيد بمستشفى فحسب، بل نحيي فكرة، ونحتفي برسالة، وننحني احتراما لكل من ساهم في هذا الإنجاز؛ من المانحين والمتبرعين، إلى الأطباء والممرضين، والمهندسين، والاقتصاديين، والإداريين، والفنيين، والمتطوعين، وكل يد امتدت لتصنع أملا جديدا.
أما أنتم يا طه إسماعيل، ويا سعيد، ويا خالد، ويا كل أطفال شفا الأورمان…
فشكرا لأنكم ذكرتمونا بأن الإنسان يستطيع أن ينتصر على المرض، وأن الأمل لا يقاس بحجم الجسد، بل بعظمة الروح.
وإذا كانت الأقصر قد خلدت أسماء الملوك على جدران معابدها، فإنها اليوم تخلد أسماء رجال ونساء اختاروا أن ينحتوا أسماءهم في قلوب الناس…
بين توثيق دمار الحرب وإحباط العودة
وفى وسائط التواصل الاجتماعى فيديو متداول يلفت الانتباه يظهر فيه شاب سوداني يقف على أحد تقا…





