‫الرئيسية‬ مقالات الكهرباء في السودان.. الأزمة التي تحتاج قراراً لا بيانات
مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

الكهرباء في السودان.. الأزمة التي تحتاج قراراً لا بيانات

مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

ليس جديداً أن يستيقظ السودانيون على خبر عطل جديد في الشبكة القومية، أو حريق بمحطة، أو خروج ولايات بأكملها عن الخدمة. الجديد هو أن هذه الوقائع أصبحت تتكرر بالوتيرة نفسها، بينما تغيب المعالجات الجذرية، وتبقى البيانات الرسمية تدور في فلك التبرير أكثر من تقديم حلول مستدامة.

إن ما جرى أخيراً في سد مروي يجب ألا 《 يُنظر إليه بوصفه حادثاً فنياً عابراً، لكن باعتباره إنذاراً يكشف حجم الهشاشة التي يعانيها قطاع الكهرباء، ويدعو إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارته. فالدول لا تقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات بعد وقوعها فحسب، وإنما بقدرتها على منع تكرارها عبر التخطيط والصيانة والجاهزية.

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الكهرباء أصبحت العمود الفقري للدولة. فلا مستشفى يعمل بكفاءة دون كهرباء مستقرة، ولا مصنع ينتج، ولا مدرسة تؤدي رسالتها، ولا استثمار يمكن أن ينجح في بيئة تعاني من انقطاع التيار لساعات طويلة. ومن ثم فإن إصلاح هذا القطاع يجب أن يكون في مقدمة أولويات الدولة، لا أن يظل أسيراً للإجراءات البطيئة أو ضعف التمويل.

كما أن المرحلة تتطلب إعادة تقييم شاملة لمنظومة إدارة الكهرباء، بدءاً من التخطيط والتمويل، مروراً بالصيانة الدورية، وانتهاءً بآليات اتخاذ القرار. ولا عيب في مراجعة الهياكل الإدارية والاستفادة من الخبرات الوطنية التي راكمت تجربة طويلة في هذا القطاع، فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز.

وفي الوقت ذاته، فإن مبدأ المحاسبة لا يقل أهمية عن مبدأ الإصلاح. فكل عطل كبير يجب أن يعقبه تحقيق مهني وشفاف يحدد الأسباب والمسؤوليات، ويكشف للرأي العام ما إذا كانت الأعطال ناجمة عن تقادم البنية التحتية، أو قصور في الصيانة، أو ضعف في الإدارة، أو عوامل أخرى. فالشفافية هي المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة.

إن تغيير الأشخاص، مهما كانت أهميته، لن يكون كافياً إذا بقيت السياسات والهياكل والأدوات على حالها. فالأزمات المتكررة تشير إلى خلل مؤسسي يحتاج إلى إصلاح مؤسسي، وإلى رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة التي سرعان ما تذوب أمام أول اختبار.

السودان اليوم في حاجة إلى قرار سياسي يمنح قطاع الكهرباء أولوية قصوى، وإلى خطة وطنية واضحة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل، وتمكين الكفاءات، وتسريع تنفيذ المشروعات الاستراتيجية. فالكهرباء ليست خدمة عادية، بل هي مفتاح التعافي الاقتصادي، وركيزة استقرار المجتمع، وأحد أهم مقومات بناء الدولة.

وحتى يتحول هذا الإدراك إلى سياسات وإجراءات عملية، سيظل المواطن هو الحلقة الأضعف، وستبقى أزمة الكهرباء عنواناً دائماً لمعاناة تتجدد مع كل انقطاع، بينما ينتظر السودانيون ما هو أكثر من البيانات والوعود… ينتظرون قراراً يصنع الفرق.

‫شاهد أيضًا‬

جهد الشرطة وخذلان الخدمات

من المعلوم ان قدرة الدولة ما بعد الحرب تقاس في سرعتها علي استعادة الأمن، بجانب إعادة الحيا…