الخدمة المدنية في السودان بين الكفاءة والمحاصصة.. من يدفع ثمن تراجع المؤسسات؟
د. بشارة حامد جبارة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
لا يمكن لأي دولة في العالم أن تحقق نهضة اقتصادية أو تنموية حقيقية دون خدمة مدنية قوية تقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة. فالتجارب الدولية أثبتت أن نجاح الحكومات لا يعتمد على كثرة الموارد الطبيعية بقدر ما يعتمد على جودة الإدارة العامة، وأن الخدمة المدنية هي المحرك الحقيقي للدولة؛ فإذا صلحت صلحت مؤسساتها، وإذا فسدت تعطلت التنمية مهما توفرت الإمكانات.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى مراجعة شاملة لواقع الخدمة المدنية، خاصة بعد سنوات الحرب وما خلفته من دمار في مؤسسات الدولة والبنية الاقتصادية. فمرحلة إعادة الإعمار تتطلب أفضل الكفاءات الوطنية، لا مجرد شاغلي وظائف، لأن بناء الدولة مسؤولية علمية وإدارية قبل أن يكون قرارًا سياسيًا.
ومن أبرز التحديات التي واجهت الخدمة المدنية خلال فترات مختلفة، تغليب المحسوبية والوساطة أو الاعتبارات غير المهنية في بعض التعيينات، وهو ما أدى إلى إبعاد عدد من أصحاب الخبرات والكفاءات، في الوقت الذي تولى فيه بعض غير المؤهلين مواقع تتطلب تأهيلًا عاليًا وخبرة واسعة. وكانت النتيجة الطبيعية تراجع الأداء المؤسسي، وبطء الإجراءات، وضعف الإنتاجية، وإهدار الموارد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني.
ومن المحطات التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن واقع الخدمة المدنية في السودان، ما جرى خلال الفترة الانتقالية بعد عام 2019، حين باشرت لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة أعمالها. فقد شهدت تلك المرحلة إنهاء خدمة وإعفاء عدد كبير من العاملين في مؤسسات الدولة، شملت – بحسب ما أُعلن في حينه – قطاعات مختلفة من الخدمة المدنية، وبعض المؤسسات الاقتصادية، والقطاع المصرفي، وعددًا من الهيئات والشركات الحكومية، كما طالت الإجراءات أفرادًا في قطاعات أخرى.
وقد بررت اللجنة تلك القرارات بأنها تأتي في إطار تفكيك بنية النظام السابق واسترداد مؤسسات الدولة، بينما رأى منتقدوها أن كثيرًا من تلك الإجراءات أدت إلى فقدان الدولة لخبرات تراكمية كانت في أمسِّ الحاجة إليها، خاصة في المؤسسات ذات الطبيعة الفنية والتخصصية.
وقد ترتب على ذلك، بحسب منتقدي تلك السياسات، ضعف في الأداء الإداري في بعض المؤسسات، وتعطل في إنجاز الأعمال، وتراجع في كفاءة تقديم الخدمات، الأمر الذي انعكس سلبًا على بيئة الاستثمار والإنتاج. كما رأى هؤلاء أن إبعاد أصحاب الخبرة دون إعداد بدائل تمتلك التأهيل نفسه أوجد فراغًا إداريًا وفنيًا كان له أثره على الاقتصاد الوطني.
إن الاقتصاد لا يتأثر فقط بأسعار الصرف أو معدلات التضخم، بل يتأثر أيضًا بجودة الموظف الذي يوقع القرار، ويمنح الترخيص، ويضع الخطط، ويتابع تنفيذ المشروعات. فالمستثمر لا يبحث فقط عن القوانين، وإنما يبحث عن جهاز إداري كفء وسريع وعادل. وكلما ضعفت الخدمة المدنية، ارتفعت تكلفة ممارسة الأعمال، وتراجعت ثقة المستثمرين، وانخفضت معدلات الإنتاج.
ومن النتائج الخطيرة كذلك هجرة العقول السودانية. فقد غادر عدد كبير من الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والقانونيين والإداريين والأكاديميين إلى خارج السودان، بحثًا عن فرص أفضل وبيئات عمل تُقدِّر الخبرة والكفاءة، بينما خسر السودان جزءًا مهمًا من رأس ماله البشري الذي أنفق سنوات طويلة في تعليمه وتأهيله.
ولقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نهضت بعد الأزمات والحروب لم تعتمد على الولاءات السياسية أو المحاصصات، وإنما اعتمدت على بناء مؤسسات مهنية، واختيار الأكفأ، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك فإن إصلاح الخدمة المدنية لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير للأشخاص، بل تغييرًا للمنهج الذي تُدار به مؤسسات الدولة.
إن إصلاح الخدمة المدنية لا يكون بإحلال الانتماء السياسي محل الكفاءة، ولا باستبدال مجموعة بأخرى على أساس الولاء، وإنما يكون بإرساء نظام مؤسسي يجعل الكفاءة والخبرة والنزاهة هي المعيار الوحيد للتعيين والترقي والاستمرار في الوظيفة العامة. فالوظيفة العامة ليست غنيمة سياسية، ولا مكافأة حزبية، وإنما هي أمانة ومسؤولية تجاه الوطن والمواطن.
إن السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها إعادة البناء والإعمار، ولن تنجح هذه المرحلة إذا لم تُعد هيبة الخدمة المدنية، ويُرفع شعار:
«الكفاءة قبل الولاء، والخبرة قبل المحاصصة، والنزاهة قبل المجاملة.»
فإعمار الطرق والجسور والمطارات أسهل من إعمار المؤسسات إذا فقدت كوادرها وخبراتها.
إن الدول التي نهضت بعد الحروب لم تعتمد على الشعارات، وإنما استعادت عقولها وخبراتها، وجعلت الوظيفة العامة تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا مكافأة سياسية. والسودان يمتلك من الكفاءات في الداخل والخارج ما يؤهله ليكون من أقوى دول المنطقة، شريطة أن تُفتح الأبواب أمام أهل الخبرة، وأن يُغلق نهائيًا باب المحسوبية والوساطة والتعيين على غير أساس الجدارة.
إن التاريخ لا يرحم الدول التي تُقصي علماءها وخبراءها، كما لا يرحم المسؤول الذي يضع غير المؤهل في موقع المسؤولية. فكل قرار تعيين غير قائم على الكفاءة قد يبدو صغيرًا في لحظته، لكنه قد يكلف الوطن سنوات من التراجع، ويهدر موارد كان يمكن أن تُستثمر في البناء والتنمية.
نظرة أخيرة: لا إعمار بلا كفاءة
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مجرد إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، بل يحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الخدمة العامة نفسه. فالمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة انتصار للكفاءة على المحسوبية، وللخبرة على الولاء، وللمؤسسة على الفرد.
وإذا كانت الحرب قد دمرت كثيرًا من المباني والمنشآت، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعيد بناء المباني ونترك المؤسسات تعاني من ضعف الكفاءات. فالطريق والجسر ومحطة الكهرباء يمكن إعادة بنائها بالمال، أما الخبرة المتراكمة التي يفقدها الوطن بإقصاء كفاءاته فقد تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.
ولذلك فإن أولى خطوات الإصلاح الحقيقي أن تُراجع الدولة ملف الخدمة المدنية مراجعة مهنية شاملة، وأن تُعاد الاستفادة من الكفاءات التي أُبعدت بغير حق، وأن يُفتح الباب أمام كل سوداني مؤهل، في الداخل والخارج، للمشاركة في بناء وطنه، دون أن يكون انتماؤه السياسي أو الاجتماعي معيارًا لتقييم قدرته على العمل.
إن السودان لا تنقصه الموارد، ولا تنقصه العقول، وإنما يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تستثمر الموارد، ودولة تعرف كيف تستثمر العقول.
فإذا أردنا اقتصادًا قويًا، فعلينا أن نبني خدمة مدنية قوية. وإذا أردنا دولة قوية، فعلينا أن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وإذا أردنا مستقبلًا أفضل للسودان، فعلينا أن نطوي إلى الأبد صفحة المحسوبية والوساطة، ونفتح صفحة جديدة عنوانها:
الكفاءة أولًا.. والوطن أولًا.
حكاية عودة الشهداء
أعلنت المقاومة الشعبية بمحلية شندي، بولاية نهر النيل، الثلاثاء، وضع حجر الأساس لأكبر نصب ت…





