سيدي البرهان.. لا تجعلوا السودان يدفع ثمن «العودة إلى المربع الأول»!
حديث الساعة إلهام سالم منصور

بين ضغوط مسعد بولس ومحاولات إعادة تدوير قحت.. من يملك مفتاح القرار السوداني؟
سيدي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة..
أقولها اليوم بوضوح، ومن موقع الصحفي الذي ظل يراقب المشهد السوداني بكل تعقيداته: لا نبلاً سياسياً، ولا أدبيات دبلوماسية، ولا ضغوطاً خارجية يمكن أن تكون مبرراً لإزالة مكوّن سوداني كامل من الحياة السياسية والاجتماعية.
وفي المقابل، لا يمكن أن تكون المصالحة الوطنية غطاءً لإعادة إنتاج أي تجربة سياسية ثبت فشلها، أو إعادة إدخال البلاد إلى الدائرة نفسها التي خرجت منها بالدم والدموع.
وهنا تحديداً تكمن المسافة الشاسعة بين استيعاب السودانيين وفق القانون والمواطنة، وبين إعادة تدوير المشاريع السياسية التي قسمت المجتمع وأنتجت حالة الاستقطاب التي عاشها السودان قبل الحرب.
الحركة الإسلامية.. بين الإقصاء والواقع
لنكن صريحين..
الحركة الإسلامية في السودان ليست جسماً يمكن محوه بجرة قلم، ولا كتلة يمكن أن تختفي بقرار سياسي. هي تيار له أنصار وقواعد وامتدادات اجتماعية، وفي المقابل لها تجربة سياسية طويلة ينبغي أن تخضع للنقد والمراجعة والمحاسبة التاريخية.
لكن لا يجوز أن يتحول الانتماء السياسي وحده إلى جريمة.
إذا كان هناك شخص متهم بجريمة أو فساد أو انتهاك، فليُحاسب أمام القضاء. أما أن يتحول الانتماء الفكري أو السياسي إلى تهمة جماعية، فهذه ليست دولة قانون.
والأهم من ذلك أن هناك جيلاً من الشباب السودانيين وجد نفسه في قلب الحرب، يقاتل دفاعاً عن بلده ومؤسساته، بعيداً عن حسابات النخب السياسية القديمة.
هؤلاء الشباب لا يمكن اختزالهم في خانة سياسية واحدة.
لقد أصبح الميدان نفسه عاملاً جديداً في إعادة تشكيل الوعي السوداني، وأصبح السؤال عند كثير من الشباب: من وقف مع الوطن عندما اشتعلت الحرب؟
ومن هنا فإن أي محاولة لإعادة رسم السودان سياسياً بعد الحرب يجب أن تراعي الواقع الجديد، لا أن تعود بنا إلى خرائط ما قبل الحرب وكأن شيئاً لم يحدث.
أما قحت.. فالسؤال أكبر من الأشخاص
أنا لا أكتب دفاعاً عن شخص ولا هجوماً على شخص.
لكنني أطرح سؤالاً مشروعاً:
هل يريد بعض الفاعلين السياسيين إعادة السودان إلى معادلات ما قبل الحرب؟
وهل المطلوب أن يعود المشهد إلى ثنائية سياسية جديدة: هذا معسكر، وذاك معسكر، وهذا مقبول، وذاك مرفوض؟
إذا كان الأمر كذلك، فماذا استفدنا من الحرب؟
لقد فقد السودان آلاف الأرواح، وتشرد الملايين، ودُمرت مؤسسات ومدن ومصانع ومستشفيات ومدارس، وتعرض الاقتصاد لأكبر الضغوط.
هل يعقل بعد كل ذلك أن نعود إلى الصراع نفسه؟
يا سيدي البرهان.. لا تجعلوا السودان يعود إلى المربع الأول.
لا نريد عودة أي طرف إلى السلطة لمجرد أنه كان جزءاً من معادلة سياسية سابقة، كما لا نريد إقصاء أي طرف لمجرد أنه كان خصماً سياسياً.
نريد دولة جديدة.
دولة يكون فيها القانون فوق الحزب، والوطن فوق التنظيم، والمواطن فوق السياسي.
نبيل أديب.. وقحت.. والذاكرة السودانية
وعندما نتحدث عن القوى المدنية والشخصيات القانونية والسياسية، ومن بينها الأستاذ نبيل أديب، فإن المطلوب ليس تخوين أحد، وإنما مساءلة الأفكار والمواقف والمشروعات.
السودانيون اليوم أكثر وعياً مما كان عليه الحال قبل سنوات.
لم يعد المواطن يقبل أن تأتيه النخب السياسية بمشروع مغلق ثم تقول له: هذا هو الطريق الوحيد للخلاص.
السودان بلد متعدد، ولا يمكن أن تحكمه نخبة واحدة، ولا حزب واحد، ولا تيار واحد، ولا مجموعة سياسية تتحدث باسم الشارع كله.
الشارع السوداني ليس ملكاً لأحد.
والقوى المدنية الحقيقية مرحب بها عندما تكون سودانية القرار، مستقلة الإرادة، رافضة للحرب، مؤمنة بالدولة، وقادرة على تقديم مشروع يتجاوز المرارات الحزبية.
أما إعادة إنتاج التحالفات القديمة تحت مسميات جديدة، فهذا ما يجب أن يخضع للنقاش الوطني الصريح.
مسعد بولس.. هل الضغط الخارجي يلتقي مع ضغط الداخل؟
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل السودان يواجه اليوم ضغوطاً دولية مرتبطة بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس والتحركات الدبلوماسية حول الحرب، أم أن هناك أيضاً ضغوطاً سياسية داخلية تسعى إلى فرض شكل معين للحل؟
الإجابة في رأيي: المشكلة ليست في وجود الوساطات الدولية، وإنما في حدود تأثيرها على القرار السوداني.
نحن نرحب بأي جهد يؤدي إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام السلام، لكن السلام الذي يُفرض من الخارج لا يستطيع أن يصنع دولة مستقرة.
السودان يجب أن يتعامل مع المجتمع الدولي من موقع الدولة صاحبة السيادة، لا من موقع الطرف الذي ينتظر أن يقرر الآخرون مستقبله.
فإذا كان هناك ضغط من الخارج، فإن الرد الصحيح ليس الانفعال، وإنما توحيد الجبهة الوطنية الداخلية.
وإذا كان هناك ضغط من الداخل، فإن الرد الصحيح ليس الإقصاء، وإنما الاحتكام إلى الشعب والقانون والمؤسسات.
لا تجعلوا الكهرباء السياسية تنقطع عن السودان
السودان اليوم يحتاج إلى كهرباء من نوع آخر..
ليس كهرباء المحطات، رغم أهميتها، وإنما كهرباء الإرادة الوطنية.
إرادة تقول للعالم:
نعم للسلام..
نعم للمصالحة..
نعم للدولة المدنية التي يحكمها القانون..
نعم للمؤسسات..
نعم للجيش الوطني..
نعم للمشاركة السياسية..
لكن لا لإعادة إنتاج الحرب السياسية داخل الدولة بعد انتهاء الحرب العسكرية.
لا نريد أن تتحول الخرطوم إلى ساحة جديدة لصراع النخب.
ولا نريد أن يستيقظ المواطن السوداني بعد انتهاء المعارك ليجد أن المعركة انتقلت من الميدان إلى البرلمان والإعلام والشارع.
المطلوب ليس إقصاء الإسلاميين ولا إعادة القحاطة
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف:
السودان لا يمكن أن يبنى بإقصاء الإسلاميين، كما لا يمكن أن يبنى بإقصاء القوى المدنية.
السودان يبنى عندما يصبح الانتماء السياسي حقاً، والجريمة جريمة، والخيانة خيانة، والفساد فساداً، بصرف النظر عن اسم صاحبها.
من أخطأ فليحاسب.
من أجرم فليحاكم.
من نهب مال الدولة فليُحاسب.
من حمل السلاح خارج الدولة فليُحاسب.
ومن شارك في قتل أو تعذيب أو انتهاكات فليواجه القضاء.
لكن لا تجعلوا الهوية السياسية بديلاً عن العدالة.
فهذا هو الطريق الوحيد لبناء دولة لا يخاف فيها المواطن من خصمه السياسي، ولا يخاف فيها السياسي من القانون.
يا سيدي البرهان.. أنتم أمام امتحان تاريخي
التاريخ لا يسجل فقط من انتصر في الحرب، وإنما يسجل أيضاً كيف أُديرت مرحلة ما بعد الحرب.
وهنا مسؤوليتكم أكبر من إدارة معركة عسكرية.
أنتم أمام فرصة لصناعة دولة جديدة.
دولة تستوعب شباب السودان، وتفتح الباب أمام الكفاءات، وتعيد بناء المؤسسات، وتمنع قيام المليشيات، وتضع السلاح تحت سلطة الدولة، وتؤسس لعدالة انتقالية حقيقية، وتعيد النازحين، وتعيد الإعمار.
والأهم:
ألا تسمحوا لأي جهة، داخلية كانت أم خارجية، بأن ترسم للسودان مستقبله نيابة عن شعبه.
فإذا كان السودان قد دفع ثمن التدخلات الخارجية، ودفع ثمن صراعات النخب، ودفع ثمن المليشيات، فلا يجوز أن يدفع مرة أخرى ثمن التسويات السياسية المغلقة.
الخلاصة.. السودان ليس غنيمة سياسية
يا سيدي البرهان..
لا تجعلوا السودان رهينة لضغط مسعد بولس، ولا رهينة لضغط القحاطة، ولا رهينة لأي تيار سياسي آخر.
السودان ليس غنيمة سياسية.
والجيش الذي حارب دفاعاً عن الدولة يحتاج بعد الحرب إلى مشروع دولة، لا إلى مشروع حزب.
والشباب الذين وقفوا في الميدان يحتاجون إلى مستقبل، لا إلى مزيد من الاستقطاب.
والمواطن الذي تحمل النزوح والجوع والخوف يريد أن يعرف شيئاً واحداً:
متى تنتهي لعبة النخب ويبدأ زمن الوطن؟
نحن لا نريد سوداناً ينتقم فيه المنتصر من المهزوم.
نريد سوداناً ينتصر فيه القانون على الجميع.
لا نريد سوداناً إسلامياً.
ولا نريد سوداناً قحاتياً.
ولا نريد سوداناً عسكرياً بالمعنى الحزبي.
نريد سوداناً سودانياً.
سوداناً تكون فيه القوات المسلحة مؤسسة وطنية، والسياسة حقاً للجميع، والسلطة مسؤولية وليست غنيمة، والعدالة ميزاناً لا يتغير بتغير أسماء الخصوم.
ولذلك أقولها من قلب «حديث الساعة»:
يا سيدي البرهان.. لا تعيدوا السودان إلى المربع الأول.
افتحوا الباب للسودانيين جميعاً.. وأغلقوا الباب أمام الإقصاء والوصاية الخارجية.
فقد آن لهذا الوطن أن يخرج من سودان المحاور إلى سودان القرار الوطني.
والله من وراء القصد.
إلاثنين١٠ا٨ ٢٠٢٦
رئيس الوزراء يوجه بتسيير قوافل دعم للمناطق المحررة
بحث رئيس الوزراء، بروفيسور كامل إدريس، اليوم بالخرطوم، مع مفوض عام العون الإنساني، الأستاذ…





