‫الرئيسية‬ حوارات حوار الساعة مع د. أسامة الفاتح العمري: السودان لا يحتاج إلى شعب جديد.. بل إلى دولة جديدة تحترم الإنسان حوار:الهام سالم منصور
حوارات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

حوار الساعة مع د. أسامة الفاتح العمري: السودان لا يحتاج إلى شعب جديد.. بل إلى دولة جديدة تحترم الإنسان حوار:الهام سالم منصور

حوار:الهام سالم منصور

في ظل الحرب التي أنهكت السودان، وما خلفته من خسائر إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة، تبرز الحاجة إلى أصوات تتجاوز سؤال السلطة إلى سؤال الدولة، وتتجاوز إدارة الأزمة إلى البحث عن جذورها.

في هذا الحوار، نتوقف مع الدكتور أسامة الفاتح العمري عند تجربته العلمية والعملية والإنسانية، ورؤيته لإنهاء الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الحكم المحلي، وإطلاق عقد اجتماعي جديد، وصولاً إلى سودان تكون فيه الدولة مؤسسة لخدمة المواطن لا ساحة للصراع على السلطة.

س1: دكتور أسامة، بدايةً من هو أسامة الفاتح العمري بعيداً عن الألقاب والمواقع؟

ج:

أنا إنسان سوداني قبل أن أكون أكاديمياً أو رجل أعمال أو ناشطاً في العمل العام.

نشأت مؤمناً بأن السودان وطن عظيم، وأن مشكلته الأساسية ليست في موارده ولا في إنسانه، وإنما في الطريقة التي أدرنا بها دولتنا وعلاقاتنا مع بعضنا البعض.

درست هندسة الحاسوب، ثم اتجهت إلى إدارة الأعمال والقيادة التنفيذية، وحصلت على الدكتوراه في إدارة الأعمال، وكان اهتمامي العلمي مرتبطاً بزيادة الفاعلية والإنتاجية من خلال تغيير السلوك الإنساني.

وهنا وصلت إلى قناعة مهمة: بناء الدولة يبدأ من الإنسان قبل المؤسسات، ومن السلوك قبل القوانين.

عملت في القطاع الخاص وأدرت مؤسسات ومشروعات مختلفة، لكن السودان ظل حاضراً في تفكيري واهتمامي، ولذلك انخرطت في العمل الإنساني والفكري والعام، وأسست منظمة «أبونا آدم».

أنا لا أطرح نفسي باعتباري صاحب مشروع شخصي للسلطة، وإنما مواطن سوداني لديه تجربة ورؤية، ويرى أن من واجبه أن يضعها في خدمة وطنه.

س2: ما الذي قادكم من عالم الإدارة والأعمال إلى العمل العام والإنساني؟

ج:

الإدارة علمتني أن الأفكار وحدها لا تكفي.

عندما تدير مؤسسة، تتعلم أن كل قرار له نتائج، وأن النجاح يحتاج إلى أهداف واضحة، وآليات تنفيذ، ومتابعة، ومحاسبة.

لكن الاحتكاك بالمجتمع جعلني أرى أن المشكلة أكبر من إدارة مؤسسة أو مشروع. نحن أمام إنسان سوداني يحتاج إلى دولة يشعر بأنها تحميه وتحترم كرامته وتمنحه فرصة حقيقية للحياة والإنتاج.

ومن هنا انتقلت قناعتي من سؤال: كيف ندير المؤسسات؟ إلى سؤال أكبر: كيف نبني دولة تعمل بكفاءة من أجل الإنسان؟

س3: منظمة «أبونا آدم» تحمل اسماً لافتاً. ما الفكرة التي تقف وراءها؟

ج:

الفكرة بسيطة جداً: نحن جميعاً أبناء آدم.

وهذا يعني أن الإنسان يجب أن تكون كرامته فوق القبيلة والجهة والحزب والموقف السياسي.

«أبونا آدم» ليست مجرد منظمة لتقديم المساعدات، وإنما محاولة لترسيخ مفهوم أوسع للعمل الإنساني؛ نساعد الإنسان في لحظة الأزمة، لكن هدفنا النهائي أن يستعيد قدرته على الاعتماد على نفسه والعمل والإنتاج.

فالعمل الإنساني الحقيقي لا ينبغي أن يصنع إنساناً تابعاً للمساعدة، وإنما إنساناً قادراً على استعادة حياته وكرامته واستقلاله.

س4: السودان يعيش حرباً قاسية. كيف تشخصون الأزمة؟

ج:

الأزمة السودانية ليست أزمة واحدة.

هي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، لكنها في جوهرها أزمة إدارة دولة وأزمة إنسان.

السودان يمتلك الموارد، والموقع، والثروات، والإنسان القادر على الإنتاج والإبداع.

لكننا تعاملنا طويلاً مع نتائج الأزمة بدلاً من جذورها.

الفقر نتيجة، والبطالة نتيجة، والفساد نتيجة، والحرب نتيجة، والاحتقان الاجتماعي نتيجة.

أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا فشلنا في بناء دولة يشعر فيها المواطن أن الدولة ملك له وليست ملكاً للنخبة؟

س5: في رأيكم، كيف وصل السودان إلى الحرب؟

ج:

الحرب لم تبدأ في يوم واحد.

هناك تراكمات طويلة: ضعف المؤسسات، الصراع على السلطة والثروة، انتشار السلاح، التسييس، الانقسامات الاجتماعية والسياسية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وفشل متكرر في بناء عقد وطني جامع.

لكن علينا أن نميز بين فهم الأسباب وتبرير الحرب.

فهم الحرب لا يعني قبولها.

لا يوجد خلاف سياسي يستحق أن يدفع طفل سوداني ثمنه، ولا توجد سلطة تستحق أن يهدم الوطن من أجلها.

ولهذا أعتقد أن علينا أن ننتقل من سؤال: من ينتصر؟ إلى سؤال: كيف ينتصر السودان؟

س6: ما رؤيتكم لإنهاء الحرب؟

ج:

إنهاء الحرب يحتاج إلى شجاعة سياسية، لكنه يحتاج أيضاً إلى تصور واضح لما بعد وقف إطلاق النار.

خارطة الطريق في تقديري تبدأ بوقف إطلاق نار قابل للمراقبة والتحقق، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ثم تثبيت الأمن وتأمين المدن والطرق والمرافق الحيوية.

بعد ذلك تبدأ عملية سياسية سودانية واسعة، لا تقوم على توزيع المناصب، وإنما على تأسيس الدولة.

ونحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمة المدنية والشرطة والعدالة والمؤسسات الاقتصادية والأمنية والعسكرية على أسس مهنية وطنية.

ثم يأتي مسار العدالة والمصالحة، وبعده إعادة الإعمار والإنتاج.

لأن السلام ليس فقط أن تتوقف البنادق.

السلام الحقيقي هو أن يشعر المواطن أن حياته وماله وكرامته أصبحت آمنة.

س7: تتحدثون كثيراً عن «الرؤية الجديدة». ما جوهرها؟

ج:

الرؤية الجديدة تبدأ من تغيير السؤال.

بدلاً من أن نسأل: من يحكم السودان؟

يجب أن نسأل: كيف نحكم السودان؟

لأن مشكلتنا لم تكن دائماً في الأشخاص، وإنما في النظام الذي يسمح بتكرار الأخطاء نفسها مهما تغير الأشخاص.

نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطن محور الدولة، والسلطة أمانة وليست غنيمة.

نريد الانتقال من دولة تدار من أعلى إلى أسفل، إلى دولة تبدأ من المواطن وتصعد به إلى قمة الدولة.

س8: ماذا تقصدون بفكرة «حكومة الأحياء»؟

ج:

أقصد أن الدولة يجب أن تكون قريبة من المواطن.

الحي يعرف مشكلاته، والمحلية تعرف احتياجاتها، والولاية تعرف أولوياتها.

لماذا ننتظر دائماً أن تأتي كل الحلول من المركز؟

حكومة الأحياء في تصوري ليست مجرد فكرة خدمية، وإنما فلسفة للحكم تقوم على المشاركة، بحيث يصبح المواطن شريكاً في تحديد الأولويات ومتابعة الخدمات والرقابة عليها.

إذا أردنا دولة حديثة، فعلينا أن نبدأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان.

س9: وماذا عن «الولايات السودانية المتحدة»؟

ج:

أنا أطرحها باعتبارها تصوراً لدولة اتحادية قوية، وليس مشروعاً لتقسيم السودان.

أنا أريد سوداناً واحداً، ولكن سوداناً يعترف بتنوعه.

نحتاج إلى توزيع عادل للسلطة والثروة والفرص، وإلى ولايات تمتلك صلاحيات واضحة وموارد ومسؤوليات حقيقية.

الوحدة الحقيقية ليست أن نضع كل شيء في المركز، وإنما أن يشعر المواطن في كل ولاية بأن له دوراً حقيقياً في إدارة وطنه.

نريد سوداناً واحداً بتنوعه، لا سوداناً واحداً رغم تنوعه.

س10: هل تعتقدون أن المبادرات المجتمعية يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة؟

ج:

لا.

المبادرات يمكن أن تساعد الدولة، وتكشف أوجه القصور، وتقدم نماذج جديدة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن مؤسسات الدولة.

عندما تضطر المبادرات إلى توفير الدواء أو إصلاح المدارس أو تقديم الخدمات الأساسية بصورة مستمرة، فهذا مؤشر على قصور مؤسسي.

لكن عندما تنتقل المبادرة من رد الفعل إلى بناء نموذج قابل للتطبيق والتشريع، فإنها تصبح تعبيراً عن وعي سياسي واجتماعي متقدم.

لذلك علينا ألا نسأل: هل المبادرات جيدة أم سيئة؟

بل نسأل: هل تستطيع المبادرة أن تتحول من حل مؤقت إلى مؤسسة مستدامة؟

س11: كيف ترون هيبة الدولة بعد الحرب؟

ج:

هيبة الدولة لا تعني أن يخاف المواطن من الدولة.

هيبة الدولة الحقيقية هي أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن المعتدي يعرف أن القانون سيحاسبه.

ولذلك فإن بناء الدولة بعد الحرب يجب أن يقوم على احتكار الدولة للسلاح، ووضوح سلسلة القيادة، ومهنية الأجهزة الأمنية والعسكرية، واستقلال العدالة، وقوة الشرطة، ووجود إدارة محلية فاعلة.

نحن لا نحتاج دولة تخيف المواطن.

نحتاج دولة تحمي المواطن.

س12: ماذا عن العدالة والمصالحة؟ هل يمكن تجاوز آثار الحرب؟

ج:

لا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة.

لكن العدالة لا تعني الانتقام، كما أن المصالحة لا تعني نسيان حقوق الضحايا.

نحتاج إلى مسار وطني حقيقي يجمع بين المحاسبة على الجرائم، ورد الحقوق، وجبر الضرر، والمصالحة المجتمعية.

المجتمع السوداني لديه تاريخ طويل من آليات الصلح الأهلي، ويمكن تطويرها وربطها بمؤسسات العدالة الرسمية.

الهدف هو أن نصل إلى مرحلة يقول فيها السوداني: انتهت الحرب، لكن لم تنته حقوق الإنسان.

س13: السودان غني بالموارد، ومع ذلك يعاني الفقر. أين تكمن المشكلة؟

ج:

السودان ليس بلداً فقيراً بالمعنى الحقيقي.

لدينا الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الجغرافي والموارد البشرية.

لكن الثروة وحدها لا تبني دولة.

نحتاج إلى إدارة رشيدة للموارد، وشفافية، ومحاربة الفساد، وتحويل الموارد من مصدر للصراع إلى محرك للإنتاج والتنمية.

الثروة يجب أن تكون وسيلة لبناء المجتمع، وليست غنيمة تتنافس عليها النخب.

س14: إذا أتيحت لكم فرصة للمساهمة في بناء السودان، ما أولوياتكم؟

ج:

سأبدأ بالإنسان.

ثم الدولة.

ثم الاقتصاد.

نحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات، وإصلاح الخدمة المدنية، واستعادة التعليم والصحة، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وخلق فرص العمل للشباب.

وفي الوقت نفسه نحتاج إلى إصلاح سياسي يجعل تداول السلطة قائماً على المؤسسات والقانون وليس على القوة أو الولاءات.

س15: ما الرسالة التي توجهونها إلى الشباب السوداني؟

ج:

أقول للشباب: لا تسمحوا للحرب أن تقنعكم بأن مستقبلكم انتهى.

أنتم أكبر من الحرب، وأكبر من الاستقطاب، وأكبر من الجهوية.

السودان لن يبنى بالذين يتصارعون على الماضي فقط، وإنما بالجيل الذي يستطيع أن يتخيل المستقبل ويعمل من أجله.

لا أريد شباباً ينتظر وظيفة من الدولة فقط.

أريد شباباً شريكاً في صناعة الدولة والاقتصاد والمجتمع.

س16: وماذا تقولون للمرأة السودانية؟

ج:

المرأة السودانية ليست ضحية فقط في هذه الحرب، وإنما هي شريك أساسي في بناء السلام والدولة.

رأينا المرأة تحمل الأسرة والمجتمع في أصعب الظروف.

لذلك يجب أن يكون حضورها في مرحلة بناء السودان حضوراً حقيقياً في التعليم والاقتصاد والإدارة والسياسة والعمل العام.

بناء السودان يحتاج إلى الرجل والمرأة معاً.

س17: لو منحكم الشعب السوداني دقيقة واحدة فقط، ماذا ستقولون؟

ج:

سأقول لهم:

لا تجعلوا الحرب تسرق منا السودان.

لقد خسرنا أرواحاً ومنازل وأمناً ومستقبلاً، لكن يجب ألا نخسر قدرتنا على المحبة والتعايش.

آن الأوان أن نضع حداً لهذا النزيف.

آن الأوان أن نتوقف عن سؤال:

من يحكم السودان؟

ولنسأل:

كيف نبني السودان؟

السودان ليس فقيراً، وإنما أفقرته الحروب والفساد وسوء الإدارة.

وليس عاجزاً، وإنما عطلته الصراعات والانقسامات.

نستطيع أن نبني دولة قوية، عادلة، منتجة، تحترم الإنسان وتحمي حقوقه.

وعدي للسودانيين ليس أن أبيعهم الأحلام، وإنما أن أعمل من أجل دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطن فوق المصالح الشخصية، والثروة وسيلة لبناء المجتمع، والسلطة أمانة وليست غنيمة.

نريد أن ننتقل:

من سودان الخوف إلى سودان الأمان،

ومن سودان الحرب إلى سودان السلام،

ومن سودان الفقر إلى سودان الإنتاج،

ومن دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

هذا وطننا جميعاً.

لا غالب فيه ولا مغلوب.

ولا مركز يحتكر السودان، ولا هامش يشعر بأنه منفي من وطنه.

نريد سوداناً واحداً، متنوعاً، عادلاً وقوياً.

وهذا ليس حلماً مستحيلاً.

إنه واجبنا جميعاً.

والله من وراء القصد.

الاحد ١٦اغسطس٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل توقيف الصحفي قرشي عوض بمدينة بربر

ألقت شرطة مباحث محلية بربر القبض على الصحفي والمحلل السياسي قرشي عوض، تنفيذاً للبلاغ القان…