المولد عندما تصطدم الممارسة بهدي النبوة[١]
خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

لا أريد في هذه المقالة أن أعيد الجدل حول مشروعية الاحتفال بالمولد؛ فالمسألة عندي محسومة: لم يحتفل النبي ﷺ بمولده، ولم يفعل ذلك خلفاؤه الراشدون، ولا أصحابه رضي الله عنهم، ولا القرون الثلاثة المفضلة. وإنما أتوقف هنا عند ما يصاحب بعض احتفالات المولد من ممارسات ينبغي أن توزن بميزان الكتاب والسنة؛ فالخلاف في أصل الاحتفال لا يجعل ما يقع فيه بمنأى عن النقد الشرعي.
ولعل أخطر ما يستوقف المرء في بعض ساحات المولد أن مجالس يُراد لها أن تكون مجالس ذكر ومحبة تتحول إلى حلقات للرقص والتمايل على إيقاع الدفوف، وتتردد فيها قصائد تتجاوز الثناء المشروع على النبي ﷺ والصالحين إلى الغلو ونداء غير الله عند نزول الكرب.
*ومن ذلك قول الشيخ عبد الرحيم البرعي في مدح الشيخ* إسماعيل بن عبد الله الولي:
«إن ناب خطبٌ في البلاد نزيلُ
قل يا وليَّ الله إسماعيلُ»
ديوان «رياض الجنة ونور الدجنة»، ص119.
والقضية هنا لا تتعلق بمكانة البرعي، ولا بصلاح إسماعيل الولي أو منزلته عند محبيه، وإنما بمعنى الكلام نفسه: إذا ناب بالإنسان خطب واشتدت به الكربة، فمن الذي يُدعى لكشفها؟
لقد جاء الجواب في القرآن واضحًا:*﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾* [النمل:62].وقال سبحانه:
*﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾* [الأنعام:17].
وقال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: *«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»*، رواه الترمذي.
وهذا هو الحد الفاصل الذي لا ينبغي أن تزيله حرارة المديح أو محبة الصالحين: أن يُحب الصالح ويُحترم ويُثنى عليه بما يستحق، أما دعاؤه فيما لا يقدر عليه إلا الله فباب آخر يتعلق بأصل التوحيد.
*ويظهر الغلو بصورة أشد حين تتجاوز بعض القصائد ذلك إلى نسبة علم الغيب إلى البشر. ففي كتاب «النور البراق في مدح النبي المصداق*» ورد:
*«أنا الجليسُ على العرشِ المحيطِ كما أحطتُ بالغيبِ تفصيلًا وإجمالِ»* وهذا معنى لا يحتمل التلبيس؛ لأن الله سبحانه حسم قضية الغيب بقوله: *﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾* [النمل:65]. فلا يعلم الغيب أحد من الخلق استقلالًا؛ لا ملك مقرب ولا رسول مرسل. وما يخبر به الأنبياء من٠ أمور الغيب إنما هو وحي أوحاه الله إليهم مما شاء أن يطلعهم عليه تأييدًا لرسالتهم وقيامًا بحجتهم، وليس علمًا ذاتيًا يملكونه من دون الله. ولهذا أمر الله خاتم رسله ﷺ أن يقول:
*﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾* [الأنعام:50]. وقال سبحانه:
*﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾* [الأعراف:188].
فإذا كان سيد الخلق ﷺ مأمورًا أن يعلن أنه لا يعلم الغيب من عند نفسه، فإن نسبة الإحاطة بالغيب تفصيلًا وإجمالًا إلى من دونه لا تستقيم مع هذا الأصل القرآني المحكم.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش منصفًا: لسنا بصدد تفتيش القلوب أو إصدار الأحكام على الأشخاص، وإنما نتحدث عن أقوال مكتوبة ومتداولة، والقول يوزن بالدليل مهما كانت منزلة قائله. فالاحترام لا يعني العصمة، والمحبة لا تعني التسليم بكل ما يقال، والموروث لا يصبح حجة شرعية لمجرد قدمه وشيوعه.
وقد سد النبي ﷺ بنفسه باب الغلو، فقال: *«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله»*، رواه البخاري. فإذا كان هذا توجيهه لأمته في حقه وهو سيد ولد آدم، فمن باب أولى ألا يُرفع غيره فوق منزلته.
ثم يأتي مظهر آخر ارتبط ببعض مواسم المولد، وهو بيع الحلوى المجسمة في هيئة ذوات الأرواح؛ كالأحصنة والفرسان والمحاربين والعرائس والفتيات. وقد جاءت السنة بالوعيد في صناعة الصور، فقال ﷺ: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون»، متفق عليه، وقال: *«إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم»*، متفق عليه. فالعبرة ليست بالمادة التي صُنع منها المجسم؛ وإنما بصورته وهيئته. والمفارقة هنا ظاهرة: كيف يصبح من مظاهر الاحتفاء بالنبي ﷺ ما جاءت سنته نفسها بالتحذير منه؟
ويضاف إلى ذلك ما تشهده بعض ساحات المولد من اختلاط الرجال بالنساء، والتبرج والتعطر والزحام، حتى تقع أحيانًا مضايقات وتحرشات واعتداءات مؤسفة من بعض الشباب والمراهقين. ولا شك أن المعتدي مسؤول عن اعتدائه، ولا يبرر خطأ المرأة الاعتداء عليها، ولكن الشريعة التي حرمت الاعتداء هي نفسها التي سدت ذرائع الفتنة، فأمرت الرجال والنساء جميعًا بالعفة وغض البصر.
قال تعالى: *﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾* [النور:30]، ثم قال: *﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾* [النور:31]. وجاء في الحديث: *«أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية»،* رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو وعيد شديد على هذا الفعل، وليس المقصود به ثبوت حد الزنا عليها.
*وهكذا لا تعود القضية مجرد خلاف فقهي حول مناسبة بعينها؛ إذ نحن أمام ممارسات لكل واحدة منها حكمها المستقل: رقص وتمايل وهيئات في الذكر، ونداء لغير الله عند الكرب، وغلو يبلغ نسبة علم الغيب إلى البشر، ومجسمات لذوات الأرواح، واختلاط وتبرج وتعطر. ومن هنا أقول لمن يخالفني ويرى جواز أصل الاحتفال* *بالمولد: ليس مطلوبًا منك أن توافقني على حكمي في أصل المولد حتى تنكر هذه الممارسات. فالخلاف في مسألة لا يجعل* *المنكرات التابعة لها محل خلاف بالضرورة، ولا يصح أن تتحول الرغبة في الدفاع عن المولد إلى دفاع عما ألصق به من مخالفات.* *فالمناسبة الدينية لا تمنح المخالفة حصانة شرعية، والعادة لا تنشئ حكمًا، وكثرة الممارسين لا تحول الخطأ إلى صواب. وإنما يبقى الميزان الذي لا يتغير هو قول الله وقول رسوله ﷺ.* وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إن المولد يقام باسم محبة رسول الله ﷺ، بينما المحبة في ميزان القرآن ليست دعوى وجدانية مجردة، وإنما لها برهان محدد: *﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾* [آل عمران:31]. فالوفاء للنبي ﷺ ليس في أن نبتدع لأنفسنا طرائق للتعبير عن محبته، ثم نطلب من سنته أن تتسع لها؛ وإنما في أن نجعل سنته هي التي تحدد لنا كيف تكون المحبة وكيف يكون التعظيم.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الدفاع عن المولد أو الاعتراض عليه هو: هل ما نفعله يوافق ما جاء به صاحب المولد ﷺ؟ فإذا كان الاحتفال يقام باسمه، فأولى الناس بالمحتفلين أن يصونوا التوحيد الذي دعا إليه، وأن يحذروا الغلو الذي نهى عنه، وأن يقفوا عند حدود الشريعة التي بلغها.
والمحبة الصادقة لا تحتاج إلى أن نخالف المحبوب لنعبر عنها؛ بل أعظم برهان عليها أن نتبعه.
(220) فدانا في مواجهة فجوة الخضروات.. حلفا تقترب من اعادة تشغيل مشروع الامن الغذائي
اقترب مشروع الامن الغذائي بوادي حلفا من الدخول الى مرحلة التشغيل والانتاج بعد قطع شوط متقد…





