الخرطوم تعيد ترسيم المعادلة الأفريقية: عودة القيادة ورهانات الانضباط الدبلوماسي
شيء للوطن م.صلاح غريبة- مصر

Ghariba2013@gmail.com
تشكل التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة في العاصمة السودانية نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة التي ألمّت بالبلاد. فإن احتضان الخرطوم لوفد دبلوماسي رفيع المستوى يمثل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لا يمثل مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل يؤشر إلى استعادة العاصمة مركزيتها السيادية والقيادية، ويعلن بوضوح انتقال الدولة من مرحلة الدفاع وإدارة الأزمة من المقرات البديلة إلى مرحلة فرض الواقع السياسي وتثبيت الأركان الدستورية من قلب المركز الدائم للحكم.
تكتسب هذه التحركات أهميتها التحليلية من كسرها لحالة العزلة أو الضبابية الدبلوماسية التي طالت علاقة السودان ببيئته القارية منذ اندلاع التمرد الممنهج وتصاعد الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت البنية التحتية، والمؤسسات الخدمية، والتعليمية، والموارد الاقتصادية للبلاد. إن مراجعة خطابات القيادة السودانية—سواء على مستوى رأس الدولة، أو رئاسة الوزراء، أو الوزراء المعنيين بالحقائب السيادية والاقتصادية—تكشف عن استراتيجية تفاوضية جديدة تتجاوز لغة المناشدات إلى فرض واقع قائم على ثوابت ومحددات لا تقبل المساومة.
تتبلور هذه الاستراتيجية في رسم خطوات وسياسات واضحة تشترط احترام المؤسسات الشرعية وتفضيل الخيارات الوطنية الشاملة، بالرفض القاطع للمساواة بين المؤسسة العسكرية الشرعية والمليشيات، وإرساء خط أحمر يمنع التعامل المتكافئ بين القوات المسلحة الرسمية والدعامات المتمردة التي مارست التدمير الممنهج للمؤسسات والخدمات، وإغلاق باب التدخلات الخارجية والدعم المالي والعسكري للإرهاب بمطالبة القارة الإفريقية باتخاذ مواقف صارمة ضد القوى الإقليمية والمحاور الخارجية التي تغذي الصراع وتستنزف المقدرات الوطنية.
الرفض التام لشرعنة الكيانات أو الحكومات الموازية، والتمسك بوحدة الأراضي السودانية وسلطتها التنفيذية والسيادية الجامعة، بما يضمن عدم تفكيك مؤسسات الدولة، والربط بين السلام الشامل وإنهاء مظاهر التمرد والتأكيد على أن المبادرات السلمية تبدأ بالانسحاب الكامل من المناطق المحتلة، والعمل وفق ترتيبات أمنية صارمة للدمج والتسريح، وإطلاق حوار وطني شامل ومكتمل الأركان، والتأكيد على أن الحوار السوداني-السوداني المستقل، الخالي من الإملاءات الخارجية، هو المسار الوحيد لتحقيق التعافي والمصالحة والتأسيس الدستوري تمهيداً لانتخابات حرة.
على الجانب الآخر، يعكس موقف وفد الاتحاد الأفريقي تحولاً تدريجياً نحو قراءة أكثر واقعية للواقع السوداني؛ إذ يسهم إقرار المجلس بأهمية عودة الحكومة لمباشرة مهامها من العاصمة في إعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية وتوفير أرضية لمعالجة تداعيات تعليق العضوية القارية. إن التشديد الأفريقي على احترام السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية وتشكيل الكيانات الموازية يمثل اعترافاً ضمنياً بأن استقرار المنطقة بأكملها مرهون باستقرار الدولة السودانية، وأن تصدير نموذج الفوضى أو غض الطرف عن استهداف المؤسسات الأكاديمية والخدمية سيمتد آثاره الكارثية إلى الساحل والصحراء والعمق الأفريقي.
إن الكرة الآن تقع في ملعب الاتحاد الأفريقي للتحول من مربع إبداء القلق وتوصيف الأزمات إلى مربع اتخاذ القرارات الشجاعة. ويستدعي ذلك رفع تعليق العضوية، وتصنيف المجموعات المتمردة ككيانات إرهابية وملاحقة داعميها، ودعم جهود الدولة في إعادة بناء مؤسساتها. إن التعافي الوطني واستعادة المسار الديمقراطي عبر صندوق الاقتراع ليس مجرد مطلب سوداني داخلي، بل هو صمام أمان للأمن القومي القاري برمته.
جامعة امدرمان الإسلامية تعلن عن فتح باب التقديم ( لبرنامج الدبلوم العالي والماجستير في اللغة العربية
بسم الله الرحمن الرحيم جامعة أم درمان الإسلامية كلية الدراسات العليا تعلن كلية الدراسات ال…




