الخرطوم بوابة العالم
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

حين نتحدث عن النهضة فإننا لا نتحدث عن أحلامٍ عابرةٍ أو عن شعاراتٍ ترفع في المناسبات ثم تذوي بذويان الحماس الأول، وإنما نتحدث عن مشروع أمةٍ تريد أن تسترد موقعها الذي سلبته منها عقودٌ من التوهان، وعن دولةٍ تريد أن تعود إلى خريطة الفاعلين لا إلى هامش المتلقين. وفي قلب هذا المشروع العظيم يقف الطيران المدني السوداني لا باعتباره قطاعاً خدمياً عادياً، وإنما باعتباره شريان الحياة الذي سيربط السودان بالعالم، ويربط أقاليم السودان ببعضها، ويحول هذا البلد القاري المترامي الأطراف إلى ورشة عملٍ مفتوحةٍ على مدار الساعة.
إن موقع السودان الجغرافي ليس مجرد نقطةٍ على الخريطة، بل هو قدرٌ تاريخيٌ وفرصةٌ اقتصاديةٌ لم تستثمر بعد على نحوٍ يليق بها. السودان يقع في قلب القارة الأفريقية، وعلى مقربةٍ متساويةٍ تقريباً من عواصم القرار في الخليج وأوروبا وآسيا. ومن سماء الخرطوم تمر أسرع المسارات الجوية الرابطة بين الجنوب والشمال، وبين الشرق والغرب. هذا الموقع وحده كان كافياً ليجعل من مطار الخرطوم ومطار بورتسودان مركزين عالميين للترانزيت والشحن، لو أننا أحسنا استثمار هذه الميزة الربانية. الطائرة التي تقلع من جوهانسبرغ متجهةً إلى دول الخليج، وتلك التي تنطلق من لاغوس صوب اسطنبول، وتلك التي تغادر نيروبي إلى الرياض، كلها يمكن أن تجد في سماء السودان ومطاراته محطة تزويدٍ وخدمةٍ وراحةٍ تعيد تعريف مفهوم الربط الجوي في أفريقيا.
ولكن الريادة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، وإنما تصنعها الإرادة، وتصنعها التشريعات، وتصنعها البنية التحتية التي ترتقي إلى مستوى الطموح. وعليه فإن أولى خطوات أن يكون الطيران المدني السوداني رائد النهضة تبدأ من تحديث المنظومة التشريعية والفنية بما يتوافق تماماً معايير المنظمة الدولية للطيران المدني الإيكاو. فالثقة الدولية في أجوائنا ومطاراتنا هي رأس المال الحقيقي الذي سنجني من ورائه المليارات. لا يمكن لمستثمرٍ أن يضع طائرته في مطارٍ لا يطمئن إلى إجراءات سلامته، ولا يمكن لشركة طيرانٍ عالميةٍ أن تتخذ من الخرطوم مركزاً لعملياتها إذا كانت أنظمة الملاحة الجوية غير مواكبة، وإذا كانت إجراءات التراخيص بيروقراطيةً معقدةً. لذلك فإن الطريق يبدأ بأكاديميةٍ سودانيةٍ للطيران المدني معتمدةٍ دولياً، تخرج الطيارين والمهندسين والمراقبين الجويين وخبراء السلامة، لا لخدمة السوق المحلي فحسب، بل ليكون السودان مصدراً للكفاءات في القارة بأسرها.
إن النهضة الحقيقية في الطيران المدني تقتضي كذلك إعادة تعريف دور الدولة. فدور الدولة يجب أن يكون دور المنظم والحارس والحكم العادل، لا دور المشغل المباشر الذي يثقل كاهله بالديون والتعقيدات. وعليه فإن خصخصة الخدمات الأرضية، وخدمات المناولة، وصيانة الطائرات، وتشغيل المطارات، وفتح الباب أمام شركات القطاع الخاص الوطني والإقليمي والدولي هو الخيار الاستراتيجي الذي لا مناص منه. حين تدخل شركات عالمية كبرى للمنافسة في تقديم الخدمة داخل مطاراتنا فإن مستوى الجودة سيرتفع تلقائياً، وستنخفض التكلفة، وستخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة للشباب السوداني.
ولا يمكن الحديث عن ريادةٍ دون الحديث عن البعد الاقتصادي المباشر للمطارات. فالمطار في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد بوابة للمسافرين، بل تحول إلى مدينةٍ اقتصاديةٍ متكاملةٍ يطلق عليها “المدينة الجوية”. حول مطار بورتسودان يمكن أن تقوم مناطق حرة لتصدير المنتجات الزراعية والحيوانية والذهب عبر الشحن الجوي المبرد، لتصل إلى أسواق أوروبا والخليج في ساعاتٍ معدودةٍ وهي في قمة نضارتها. وحول مطار الخرطوم الجديد يمكن أن تنشأ فنادق ومؤتمرات ومراكز لوجستية تجعل من الترانزيت في السودان تجربةً اقتصاديةً بذاتها، لا مجرد توقفٍ فني. كل حاويةٍ تصدرها جواً، وكل طن بضائع يعبر أجواءنا، وكل مسافرٍ يبيت ليلةً في فندقٍ سوداني، هو عملةٌ صعبةٌ تدخل خزينة الدولة وتدور في شرايين الاقتصاد الوطني.
أما البعد الأهم والأعمق فهو البعد الداخلي. فالسودان بلدٌ قاريٌ مترامٍ لا يمكن أن تتحقق فيه الوحدة الوطنية والتنمية المتوازنة إلا بربط أطرافه ببعضها عبر جسرٍ جويٍ سريعٍ وآمنٍ ومنخفض التكلفة. ما فائدة طريقٍ بريٍ يستغرق أياماً بين الفاشر والخرطوم، بينما يمكن لطائرةٍ أن تقطع المسافة في ساعتين؟ ما قيمة مشروعٍ زراعيٍ في القضارف إذا كان من الصعب نقل منتجه إلى الأسواق؟ لذلك فإن إنشاء شركات طيران سودانية منخفضة التكلفة، متخصصة في الربط الداخلي بين الولايات، هو شرطٌ لازمٌ لأي نهضةٍ حقيقية. حين يصبح المواطن في الجنينة قادراً على الوصول إلى العاصمة في ساعات، وحين يصبح المنتج في كسلا قادراً على الوصول إلى الأسواق العالمية عبر مطار بورتسودان في اليوم نفسه، عندها فقط نكون قد بدأنا نكسر عزلة الأقاليم ونحقق مفهوم السودان الواحد.
إن الريادة تتطلب أيضاً شجاعة التحول الرقمي. فعصر الأوراق والأختام والطوابير قد ولى بلا رجعة. نحتاج إلى نظامٍ إلكترونيٍ متكاملٍ لإدارة الحركة الجوية، وإلى تأشيرةٍ إلكترونيةٍ تصدر في دقائق، وإلى نظامٍ لتتبع الشحنات لحظةً بلحظة. نحتاج إلى استخدام تقنيات الطائرات المسيرة في المسح الزراعي وفي نقل الأدوية إلى المناطق النائية. نحتاج إلى أن يصبح المطار السوداني نموذجاً في الكفاءة والنظافة والسرعة، فيكون هو الانطباع الأول الذي يحمله الزائر عن السودان الجديد.
ولا ننسى البعد السيادي. فالمجال الجوي السوداني ثروةٌ قوميةٌ مهملة. إن رسوم العبور التي تدفعها شركات الطيران العالمية للتحليق فوق أراضينا يمكن أن تدر دخلاً سنوياً ضخماً إذا ما أحسنا إدارة هذا الملف، وإذا ما وفرنا أنظمة رادارٍ واتصالٍ على أعلى مستوى من الأمان. كما أن إنشاء مركزٍ إقليميٍ لصيانة الطائرات في السودان يمكن أن يحولنا إلى قبلةٍ لشركات الطيران الأفريقية التي تنفق اليوم الملايين في الصيانة خارج القارة.
إن الحديث عن الطيران المدني السوداني رائداً للنهضة هو حديثٌ عن مستقبلٍ يمكن أن نبدأ في صناعته من اليوم. هو حديثٌ عن وظائفٍ بالملايين، وعن دخلٍ قوميٍ بالدولار، وعن صورةٍ ذهنيةٍ جديدةٍ للسودان في عيون العالم. هو حديثٌ عن ربط الشرق بالغرب، وعن ربط الريف بالعاصمة، وعن ربط السودان بمستقبله الذي يستحقه. الطريق طويلة، وتتطلب صبراً وعملاً وتخطيطاً، ولكن البداية تكون بقرارٍ واحدٍ واضح: أن نجعل من سماء السودان جسراً لا حدود له، وأن نجعل من مطاراته نوافذ للعالم، وأن نجعل من الطيران المدني قاطرة التنمية التي ستجر خلفها كل القطاعات الأخرى.
فإذا أردنا أن ننهض حقاً، فلننظر إلى الأعلى. ففي الأعلى حيث تحلق الطائرات، هناك مستقبل السودان ينتظرنا.
meehad74@gmail.com
القبض على 3 متهمين بالتشهير بالشيخ الزين وبدء إجراءات لملاحقة آخرين خارج السودان
كشف المكتب القانوني للشيخ المقرئ الزين محمد أحمد لـ«الكرامة» اليوم الجمعة، عن توقيف السلطا…





