‫الرئيسية‬ مقالات تكريم العقيد مدثر عثمان.. حين تكون الشجاعة موقفاً والواجب رسالة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

تكريم العقيد مدثر عثمان.. حين تكون الشجاعة موقفاً والواجب رسالة

عمرسيكا

في معارك الوطن الكبرى، لا تُقاس الرجال بالرتب وحدها، ولا تُعرف معادنهم في أوقات الرخاء، وإنما تظهر حقيقتهم عندما تضيق الخيارات، وتشتد المحن، ويصبح الثبات على المبدأ أغلى من كل شيء.

ومن هذا الباب يأتي تكريم العقيد ركن مدثر عثمان عبدالرحمن، بمنحه وسام الشجاعة من الطبقة الثانية من رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تقديراً لما قدمه من شجاعة وإقدام وتضحية وإيثار في أداء واجبه الوطني.

والحق أن هذا التكريم لم يكن مفاجئاً لمن عرفوا العقيد مدثر عثمان عن قرب خلال هذه الحرب.

لقد عرفته منذ أن كان برتبة مقدم، وظللت على تواصل معه في واحدة من أصعب مراحل الحرب، حين كانت الخرطوم تعيش تحت وطأة الحصار، وحين كان كثير من الناس يبحثون عن طريق للنجاة، بينما كان رجال القوات المسلحة يبحثون عن طريق للدفاع عن الوطن.

كان مدثر عثمان من الشباب الذين يجمعون بين القوة والهدوء، وبين الحزم والتواضع، ومن أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام ليؤكدوا مواقفهم. كان ثابتاً في المواقف الصعبة، واضحاً في رؤيته، وقريباً من هموم الناس والجنود في الميدان.

ومن المواقف التي لا أنساها، أننا خلال حصار منطقة المهندسين، كنا نحن سكان أبو سعد والفتيحاب نعيش ظروفاً بالغة القسوة، وقد امتد الحصار حتى أكتوبر 2023. وفي تلك الظروف، حاولنا التواصل مع بعض القيادات العسكرية لبحث إمكانية تنظيم شباب المنطقة والاستعداد للدفاع عن الجهة الجنوبية والغربية، باعتبارها من حدود محيط المهندسين.

اتصلت بالفريق مهندس خالد عابدين الشامي، نائب رئيس هيئة الأركان السابق ورئيس هيئة التدريب حالياً، لكن هاتفه كان مغلقاً. فاتصلت بالمقدم مدثر عثمان ــ وكان يومها برتبة مقدم ــ ووجدت منه الاستجابة والتواصل والاهتمام.

لم يغلق الباب أمامنا، ولم يتعامل مع الأمر باعتباره شأناً بعيداً عنه، بل تواصل معنا، وفهم طبيعة الموقف، وربطني بالمقدم من دفعته الشهيد-بإذن الله تعالى – حسن إبراهيم، الذي كان موجوداً في منطقة المهندسين.

وهنا تظهر قيمة الرجال الحقيقيين: أن يكون الرجل موجوداً عندما يحتاجه الناس، وأن يتحمل مسؤوليته عندما تكون المسؤولية ثقيلة.

ولم تكن أبو سعد والفتيحاب مجرد مناطق محاصرة في هذه الحرب؛ فقد دفعتا ثمناً باهظاً من دماء أبنائهما. فقد قدمت الفتيحاب وحدها 300 شهيداً من شبابها في مختلف محاور القتال، من الخرطوم وأم درمان إلى دارفور وكردفان، دفاعاً عن الوطن وكرامته ووحدته.

ومن هنا، فإن الحديث عن مدثر عثمان ليس حديثاً عن ضابط نال وساماً فحسب، وإنما هو حديث عن جيل من الضباط والشباب الذين وقفوا في الصفوف الأمامية في واحدة من أخطر المراحل التي مر بها السودان.

ومن المفارقات التي تكشف أثر هذا الرجل أن اسم «مبادرة معركة الكرامة والحسم الإعلامية» نفسها كان قد اقترحه العقيد مدثر عثمان في بدايات الحرب، وهو اسم أصبح لاحقاً عنواناً لمشروع إعلامي وطني حمل قضية معركة الكرامة ودافع عن القوات المسلحة والشعب السوداني في مواجهة حملات التضليل والتشويه.

لقد كان مدثر من الشباب الراكزين والأقوياء، ومن أكثر الذين عرفتهم ثباتاً في المواقف، وكان قريباً من الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان منذ توليه رئاسة مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، وأسهم في إدارة شؤون مكتبه في مراحل مهمة.

وكانت المليشيا المتمردة تدرك خطورة هذا الرجل ودوره، حتى إن قائدها الهالك كان يطلق عليه ــ في سياق عدائه له ــ لقب «الماكر القصير»، وهي عبارة، بغض النظر عن مقصد مطلقها، تكشف أن الرجل كان معروفاً لدى قيادة التمرد ومحل اهتمامها.

واليوم، يأتي وسام الشجاعة من الطبقة الثانية ليقول إن الوطن لا ينسى رجاله، وإن الذين يقدمون أرواحهم ووقتهم وجهدهم في سبيل حماية السودان يستحقون التكريم والاعتراف.

مدثر عثمان عبدالرحمن..

هنيئاً لك الوسام، وهنيئاً للقوات المسلحة السودانية برجالها الذين يعرفون معنى الواجب، وهنيئاً لكل أسرة سودانية قدمت ابنها في سبيل الوطن.

تحية لهذا الضابط الشجاع، وتحية للرجل المحترم المتواضع الذي عرفناه في أصعب الظروف.

نسأل الله أن يحفظه، وأن يمنحه الصحة والعافية، وأن يوفقه في خدمة القوات المسلحة والوطن، وأن يرحم شهداء السودان الذين قدموا أرواحهم ثمناً للحرية والكرامة.

فالرتبة قد تمنح للرجل مكاناً في المؤسسة، لكن المواقف هي التي تمنحه مكاناً في ذاكرة الوطن.

 

(عمر سيكا)

رئيس مبادرة معركة الكرامة والحسم الإعلامية

‫شاهد أيضًا‬

ورشة لرفع الكفاءة الإدارية بصندوق رعاية الطلاب بالخرطوم

نظم صندوق رعاية الطلاب بولاية الخرطوم ، بالتنسيق مع الإدارة العامة للشؤون المالية والاداري…