حينَ يُباعُ الوطنُ في سوقِ النخاسةِ
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

ما كانَ للغريبِ أن يتجرأَ على بيتِنا لو لم يجدْ من أبنائِهِ من يفتحُ لهُ البابَ. وما كانَ للخارجِ أن يعتادَ الدخولَ إلى السودانِ حاملاً أجنداتِهِ وخرائطَهُ وأطماعَهُ لولا أن وجدَ في الداخلِ من يفرشُ لهُ الأرضَ بالورودِ، ومن يصفقُ لهُ، ومن يكتبُ لهُ التقاريرَ بخطِ يدِهِ.
السودانُ لم يُغزَ بالدباباتِ وحدَها. السودانُ غُزيَ أولاً بالأقلامِ المأجورةِ، وبالألسنةِ التي تتحدثُ باسمنا ولا تنتمي إلينا، وبالتوقيعاتِ التي بيعتْ في فنادقِ العواصمِ الباردةِ. السودانُ سقطَ في عيونِ العالمِ يومَ سقطَ في عيونِ بعضِ أبنائِهِ.
لولا الجواسيسُ لما عرفَ العدوُ خريطةَ بيوتِنا. ولولا العملاءُ لما عرفَ أينَ يضربُ وأينَ يشتري وأينَ يزرعُ الفتنةَ. ولولا الخونةُ لما تجرأَ أحدٌ أن يتحدثَ عن السودانِ وكأنَّهُ ضيعةٌ بلا أهلٍ. لقد صارَ التدخلُ الخارجيُ عادةً، وصارَ استدعاءُ السفاراتِ شجاعةً، وصارَ تمريرُ الأجنداتِ تحتَ مسمى “الديمقراطيةِ” و”الحقوقِ” مهنةً يتكسبُ منها البعضُ.
الأكثرُ وجعاً أنَّ كثيراً من هؤلاءِ يرتدونَ عباءةَ السياسةِ. أحزابٌ كانَ من المفترضِ أن تكونَ صوتَ الشعبِ صارتْ صوتَ من يدفعُ أكثرَ. بياناتٌ تُكتبُ في الخارجِ ثم تُلقى علينا في الداخلِ وكأنَّها قدرٌ. اجتماعاتٌ تُعقدُ خلفَ البحارِ ليُقررَ فيها مصيرُ قريةٍ في دارفورَ أو حيٍ في أم درمانَ. انبطاحٌ مخزٍ، وتمريرٌ فجٌ لكلِ ما يريدهُ الآخرُ، مقابلَ وعدٍ بكرسيٍ أو صورةٍ معَ مسؤولٍ أو تمويلٍ لحملةٍ قذرةٍ.
هؤلاءِ لا يرونَ في السودانِ وطناً. يرونَهُ مشروعاً، وصفقةً، وورقةَ ضغطٍ. لا يهمُهم أن يحترقَ البيتُ ما داموا هم في الصالةِ المكيفةِ. لا يهمُهم أن يجوعَ الطفلُ ما دامَ حسابُهم في الخارجِ عامراً. باعوا الترابَ الذي شربوا من نيلِهِ، وباعوا الدمَ الذي سالَ في شوارعِهِ، وباعوا حتى حقَّنا في أن نقرَ مصيرَنا بأنفسِنا.
ولذلكَ اعتادَ الخارجُ الدخولَ. اعتادَ أن يرسلَ مبعوثيهِ في أيِ وقتٍ. اعتادَ أن يفرضَ شروطَهُ على طاولةِ التفاوضِ. اعتادَ أن يبتزَّنا بالجوعِ وبالحصارِ وبالإعلامِ. لأنهُ ببساطةٍ وجدَ من الداخلِ من يقولُ لهُ “تفضلْ، هذا هو الطريقُ، وهؤلاءِ هم القادةُ، وهذا هو الشعبُ الذي يمكنكُم الحديثُ باسمِهِ”.
أيُ خزيٍ أكبرَ من هذا؟ أيُ طعنةٍ أقسى من أن يُطعنَ الوطنُ بخنجرٍ صنعتهُ يدٌ سودانيةٌ؟
التاريخُ لا يرحمُ. التاريخُ سيسجلُ أنَّ في أحلكِ أيامِ السودانِ كانَ هناكَ من اختارَ أن يكونَ جسراً يعبرُ عليهِ الغزاةُ. وسيسجلُ أيضاً أنَّ الشعبَ الذي صمدَ أمامَ الرصاصِ لم يصمدْ أمامَ خيانةِ بعضِ نخبِهِ.
ولكنَّ الحزنَ وحدهُ لا يبني وطناً. والبكاءُ على ما فاتَ لا يعيدُ ما سُرقَ. اليومَ نحنُ أمامَ امتحانٍ أخلاقيٍ قبلَ أن يكونَ سياسياً. امتحانُ من هو السودانيُ حقاً؟ من الذي يضعُ الوطنَ فوقَ الحزبِ، وفوقَ المالِ، وفوقَ الكرسيِ؟ من الذي يرفضُ أن يكونَ بريداً ينقلُ تعليماتِ الخارجِ إلى الداخلِ؟
السودانُ أكبرُ من كلِ العملاءِ. أكبرُ من كلِ الأجنداتِ. أكبرُ من كلِ الصفقاتِ التي تُعقدُ في الظلامِ. هذا البلدُ الذي خرجَ من “قري” ليُعلمَ الدنيا معنى الكرامةِ لا يمكنُ أن يموتَ على يدِ أبنائِهِ العاقينَ.
الطريقُ طويلٌ وشاقٌ. طريقُ تطهيرِ البيتِ من الداخلِ أصعبُ من طريقِ مواجهةِ الخارجِ. ولكنَّهُ الطريقُ الوحيدُ. يجبُ أن نسميَ الأشياءَ بأسمائِها. خائنٌ هو من يبيعُ قرارَ بلدِهِ. عميلٌ هو من يستلمُ التعليماتِ من سفارةٍ. جاسوسٌ هو من ينقلُ أسرارَ أهلِهِ لعدوِّهم.
آنَ الأوانُ أن نُغلقَ البابَ الذي فتحوهُ. آنَ الأوانُ أن نقولَ للخارجِ: كفى. وآنَ الأوانُ أن نقولَ للداخلِ: إمَّا أن تكونَ معَ السودانِ أو تكونَ ضدَّهُ، ولا منطقةَ رماديةَ بينَهُما.
فالوطنُ ليسَ فندقاً يغادرُهُ من يشاءُ وقتَ ما يشاءُ. الوطنُ عرضٌ وشرفٌ ودمٌ. ومن يفرطُ فيهِ لا يستحقُ أن يُدفنَ في ترابِهِ.
السودانُ سيعودُ. سيعودُ بغيرِ هؤلاءِ. سيعودُ بأيدي من بقوا في الخنادقِ، وفي المدارسِ، وفي الحقولِ، وفي المنافيِ وقلوبُهم معلقةٌ بهِ. سيعودُ لأنَّ فيهِ أمهاتٍ لم يبعنَ، وآباءَ لم ينحنوا، وشباباً لم يقايضوا.
أمَّا الجواسيسُ والعملاءُ والخونةُ… فالتاريخُ وحدهُ كفيلٌ بهِم.
meehad74@gmail.com
حوار الجماهير… لا حوار النخب
من الواضح أن قيمة الحوار السوداني–السوداني تكمن في الغاية التي يُعقد من أجلها، فإن كان لإع…





