‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. حين جلسنا إلى الطاولة ولم نغادر الأزمة (١-٣)
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

السودان.. حين جلسنا إلى الطاولة ولم نغادر الأزمة (١-٣)

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في السودان، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الحوار… بل في قدرتنا على تحويل ما نتفق عليه حول الطاولة إلى واقع يعيش خارجها.

 

ثمة شيء لافت في التاريخ السوداني ، كلما ضاقت بنا البلاد، صنعنا طاولة ، نجلس حولها، نتبادل الكلمات، نبحث عن المخارج، نكتب الوثائق، ونعلن التوافق… ثم تمضي السنوات، لتعود الأزمة بأسماء جديدة، بينما تظل بعض أسئلتها القديمة في انتظار الإجابة.

 

> فهل كانت المشكلة في الحوار؟

 

> أم في ما كنا نريده من الحوار؟

 

لنعد قليلًا إلى الوراء.

 

في مارس ١٩٦٥م ، وبعد سنوات من الحرب في الجنوب، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة بحثًا عن مخرج سياسي. لم تكن القضية مجرد خلاف إداري؛ كانت أسئلة الدولة نفسها حاضرة: الوحدة، والفيدرالية، والحكم الذاتي، والعلاقة بين المركز والأطراف.

 

لم ينتج المؤتمر التسوية النهائية، لكنه كشف مبكرًا أن الأزمة السودانية أعمق من مجرد نزاع بين أطراف سياسية.

 

كان ذلك إنذارًا مبكرًا، السودان لم يكن يفتقر إلى الطاولة… كان يفتقر إلى اتفاق على شكل البيت الذي ستوضع فيه الطاولة.

 

ثم جاءت اتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢م، فنجح التفاوض هذه المرة في إيقاف الحرب ومنح الجنوب حكمًا ذاتيًا، وبدت التسوية نموذجًا على قدرة الحوار السياسي على صناعة السلام.

لكن الاتفاق انهار بعد نحو عقد، وعادت الحرب.

 

لم يكن ذلك دليلًا على أن الحوار لا يصنع السلام؛ بل كشف أن السلام يحتاج إلى ما هو أبعد من توقيع الاتفاق: يحتاج إلى مؤسسات تحميه، وترتيبات تستوعب تناقضاته، وإرادة سياسية تضمن استمراره.

 

ثم جاءت انتفاضة أبريل ١٩٨٥م ، وكأن التاريخ يمنح السودان فرصة جديدة.

 

في مارس ١٩٨٦م ظهر إعلان كوكادام، واتفق ممثلون عن قوى سياسية والحركة الشعبية على مبادئ لتهيئة مؤتمر دستوري يناقش قضايا تتجاوز الحرب نفسها: الحقوق، ونظام الحكم، والدين، والتنمية غير المتوازنة، والموارد، والقوات النظامية والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

تأملوا المفارقة:

 

قبل عقود من حرب اليوم، كان السودانيون يعرفون بالفعل أن المشكلة أكبر من «مشكلة الجنوب».

 

ثم جاءت مبادرة السلام السودانية، الميرغني–قرنق، عام ١٩٨٨م ، لتطرح بدورها أسئلة الوحدة والمواطنة والسلام، وتدعو إلى مؤتمر قومي دستوري تشارك فيه القوى السياسية والاجتماعية.

 

لكن المؤتمر الدستوري لم يرَ النور.

 

وبين كوكادام والوثبة، لم تتوقف الطاولات؛ تعددت اتفاقيات السلام والتسويات، من نيفاشا إلى أبوجا والدوحة وغيرها، ونجحت بعضها في إيقاف حروب أو تخفيفها وإعادة ترتيب موازين سياسية، لكنها لم تُنهِ بصورة نهائية سؤال الدولة وعلاقتها بأطرافها.

 

وهنا تتكرر إحدى أكثر المفارقات حضورًا في التجربة السودانية:

 

نقترب من الجذر… ثم نعود إلى إدارة الفروع.

 

نتفاوض على الحرب، لكننا لا نعيد دائمًا تعريف قواعد الدولة.

 

نتفاوض على السلطة، لكننا لا نحسم بما يكفي قواعد توزيعها.

 

نتفاوض على من يحكم، بينما يبقى السؤال الأعمق:

 

كيف يجب أن تُحكم البلاد أصلًا؟

 

وعندما وصل السودان إلى الحوار الوطني ٢٠١٤م –٢٠١٦م، كان قد راكم خبرة طويلة في المؤتمرات والاتفاقيات. أُطلق الحوار بهدف الوصول إلى توافق سياسي ودستوري واجتماعي، وانتهت العملية بوثيقة وطنية تضمنت توصيات واسعة في قضايا الحكم والدستور والاقتصاد والسلام والمجتمع.

 

كانت التجربة أوسع من كثير من سابقاتها، لكنها واجهت بدورها تحديات المشاركة والبيئة السياسية وقابلية تنفيذ المخرجات، كما ظلت قوى سياسية وحركات مسلحة خارج العملية أو بعيدة عنها.

 

وهنا لا ينبغي أن يكون حكمنا التاريخي قاسيًا أو متعجلًا ، فالقول إن الحوارات السودانية فشلت جميعًا ليس دقيقًا.

لقد نجحت بعض التسويات في إيقاف الحروب، ونجحت أخرى في فتح نوافذ سياسية ودستورية مهمة.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في شيء آخر لم ننجح بما يكفي في تحويل نجاح التسوية إلى استقرار مستدام، وتحويل الاتفاق السياسي إلى مؤسسات قادرة على حمايته وتنفيذه.

 

وهنا #أصل_القضية.

نحن لا نملك تاريخًا فقيرًا في الحوار؛ بل نملك تاريخًا غنيًا به، لكننا نحتاج إلى أن ننتقل من ثقافة الحوار بوصفه حدثًا إلى الحوار بوصفه عملية لإعادة بناء الدولة.

ومن منظور رؤية الجسر والمورد، فإن الحوار الحقيقي لا يوزع المقاعد فقط؛ بل يعيد تنظيم موارد القوة داخل الدولة: السلطة، والثروة، والثقة، والضمانات، والمسؤوليات.

فإذا بقيت قواعد إنتاج الأزمة كما هي، فقد ينجح الحوار في إطفاء الحريق، لكنه لن يمنع اشتعال النار من جديد ، لذلك، عندما نصل إلى طاولة جديدة، لا ينبغي أن يكون السؤال:

 

> من سيجلس؟

 

بل السؤال الأهم:

 

> ما الذي تعلمناه من كل الطاولات السابقة؟

 

لأن الحوار القادم لن يبدأ من الصفر ، إنه يبدأ من ذاكرة سياسية سودانية طويلة، مليئة بالتجارب والنجاحات والإخفاقات ولهذا، فإن التحدي الحقيقي ليس أن نصنع طاولة جديدة… بل أن نصنع هذه المرة نظامًا يستطيع أن يعيش بما نتفق عليه فوقها.

يتبع…

‫شاهد أيضًا‬

جراح الغياب: الاختفاء القسري وحق المعرفة في أتون الصراع السوداني

Ghariba2013@gmail.com في الثلاثين من أغسطس من كل عام، يقف العالم إجلالاً وتضامناً مع ضحايا…