‫الرئيسية‬ مقالات جراح الغياب: الاختفاء القسري وحق المعرفة في أتون الصراع السوداني
مقالات - ‫‫‫‏‫22 دقيقة مضت‬

جراح الغياب: الاختفاء القسري وحق المعرفة في أتون الصراع السوداني

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

في الثلاثين من أغسطس من كل عام، يقف العالم إجلالاً وتضامناً مع ضحايا الاختفاء القسري وأسرهم. غير أن هذه المناسبة تأتي هذا العام والسودان يمرّ بمرارات نزاع مسلح طال أركانه، ليُحوّل ظاهرة الاختفاء والغياب القسري من مجرد أرقام تُسجّل في التقارير الحقوقية إلى جرح غائر يتغلغل في وجدان آلاف الأسر السودانية التي تطارد الآمال لمعرفة مصير ذويها وأبنائها.

إن الاختفاء القسري في سياقات الحروب والنزاعات المسلحة لا يمثل مجرد انتهاك لآليات العدالة والحقوق الإنسانية، بل هو عدوان ممتد على البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع بأكمله. فالغائب قسراً يُنزع من محيطه بلا أثر، متسلحاً بغياب المعلومة الذي يُغرق ذويه في دوامة لا تنتهي من الحيرة واللوعة والانتظار المظلم. الأسر في هذه الظروف لا تطلب محالاً، بل تنادي بأبسط حقوقها الإنسانية: “الحق في المعرفة”، وهو حق أصيل لا يقبل المساومة أو التأجيل، إذ إن الحقيقة هي الخطوة الأولى واللازمة نحو معالجة ندوب الحرب وترميم التماسك المجتمعي المتداعي.

تتضاعف قسوة الاختفاء القسري عندما تتبدد أشكال الاستقرار وتتداخل خطوط التماس في الصراعات. تتحول البيوت والمدن إلى ساحات مفتوحة للغياب، ويصبح كل بلاغ عن مفقود قصة معاناة قائمة بذاتها: أمهات ينتظرن على عتبات الأمل، وأطفال يتساءلون يومياً عن سر الغياب، ومجتمع بأسره يكابد حالة من فقدان التوازن النفسي والاجتماعي.

إن التعاطي مع هذا الملف الشائك يستلزم تجاوز التناول التقليدي، والنظر إليه باعتباره ركيزة جوهرية لبناء السلام المستدام. فلا يمكن الحديث عن تعافٍ مجتمعي أو سلام شامل دون حسم ملف المفقودين والكشف عن مصيرهم، وتوفير الأجوبة الشافية التي تلمس جراح عائلاتهم وتضمن رد الاعتبار الإنساني والأخلاقي للضحايا.

في خطوة تعكس أبعاد المسؤولية الإدارية والأخلاقية المقررة في هذا الصدد، تظهر أهمية التوجهات الرسمية نحو وضع معالجة متكاملة ضمن الخطة الوطنية لحماية المدنيين. وتبرز هذه التوجهات من خلال التزام الدولة بحصر وتوثيق حالات المفقودين والمختفين قسراً، وتوفير قنوات آمنة وموثوقة للإبلاغ والمتابعة، بما يضمن التعامل مع الملف بكرامة وإنسانية حفظاً لحقوق الضحايا وذويهم.

إن نجاح هذه الآليات يتطلب تضافر الجهد المؤسسي مع الشركاء الوطنيين والإنسانيين لتذليل عقبات البحث والتقصي، وتوفير التنسيق الفعال والمستدام. ومما يعزز هذه المبادرات هو الاستفادة التامة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية المتاحة، كاستغلال المنصات الإلكترونية المخصصة لتلقي البلاغات والتقارير الشرطية، لضمان السرعة، والسرية، وتوسيع نطاق الوصول إلى كافة المتأثرين داخل البلاد وخارجها.

نحو أمل متجدد وحقيقة ناصعة: يبقى اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري محطة سنوية لتجديد الالتزام الأخلاقي والإنساني تجاه كل مفقود ومختفٍ، وتأكيداً صارخاً على أن حقوق الضحايا وأسرهم لا تسقط بالتقادم ولا تغيب بتطاول سنوات الصراع. إن الطريق نحو السلام والعدالة وإعادة التماسك في السودان يبدأ من الاستجابة لصرخات الصمت، وإنهاء حالة الضياع والشك، وجعل كشف الحقيقة واجباً إنسانياً ووطنياً لا يستثني أحدا.

‫شاهد أيضًا‬

جامع الاستقامة في زنجبار وسر التسمية

dirgham@yahoo.com 🌼💧🌼   الزميل والصديق العزيز / زاهر بن حارث المحروقي وفي إطار تنقيبه…