‫الرئيسية‬ مقالات من عنق الزجاجة إلى شريان الحياة
مقالات - ‫‫‫‏‫48 دقيقة مضت‬

من عنق الزجاجة إلى شريان الحياة

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

إن الاقتصاد السوداني اليوم محشور في عنق زجاجة، والزجاجة نفسها تتعرض للكسر من كل الجهات. حرب أوقفت المصانع، وأغلقت الموانئ، وطردت المستثمر، وقطعت الطرق، وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح. وفي قلب هذا الخراب يقف الجنيه السوداني ينزف يوماً بعد يوم أمام الدولار، لا لأن هناك سبباً اقتصادياً واحداً، بل لأن كل أسباب الانهيار اجتمعت في لحظة واحدة. فكيف نخرج؟ وهل الخروج ممكن أصلاً دون أن تتحطم الزجاجة على رؤوسنا؟.

 

البداية من التشخيص الحرب لم توقف عجلة الإنتاج فقط، بل كسرت العجلة نفسها. المزارع في الجزيرة ترك حواشته وهرب، ومصنع الغزل والنسيج في الحصاحيصا تحول إلى ثكنة، وتاجر الصادر في بورتسودان لا يستطيع أن يحول أمواله، وسائق الشاحنة الذي كان ينقل البضائع من الشمال إلى الجنوب الآن نازح في معسكر. عندما يتوقف الإنتاج يتوقف عرض السلع، وعندما يتوقف العرض ترتفع الأسعار، وعندما ترتفع الأسعار يركض الناس إلى الدولار كملاذ أخير. وهنا تبدأ الدوامة. الجنيه يفقد قيمته، فيرتفع سعر كل شيء مستورد، فيركض الناس مرة أخرى للدولار. وهكذا ندور في حلقة مفرغة.

 

وسط هذه الدوامة يظهر سؤال من يتلاعب؟ من الذي يضغط على زر الدولار كل صباح؟ الإجابة ليست شخصاً واحداً. هناك شبكة. هناك مضاربون محليون تحولوا إلى تجار أزمات، يشترون الدولار بالشائعة ويبيعونه بالخوف. هناك شركات واجهات تعمل لحساب جهات خارجية، تشتري العملة الصعبة بأي ثمن لتغطية فاتورة سلاح ومرتزقة. هناك تهريب منظم للذهب والصمغ والماشية يتم عبر حدود مفتوحة، وعائداته لا تعود إلى بنك السودان بل تباع في السوق الموازي. وهناك دول إقليمية تملك من السيولة ما يكفي لخنق أي اقتصاد، وتستخدم هذه السيولة كسلاح ناعم. الرقابة الداخلية وحدها لا تكفي في هذا المشهد. جهاز الأمن الاقتصادي قد يقبض على تاجر، وقد يغلق دكان صرافة، ولكن ماذا يفعل أمام طائرة محملة بالدولار تهبط في مطار خارج سيطرة الدولة؟ وماذا يفعل أمام حساب بنكي في الخارج يمول حملة إعلامية تروج لانهيار الجنيه؟ الرقابة ضرورية ولكنها مثل الإسعافات الأولية، توقف النزيف مؤقتاً ولكنها لا تعالج الكسر.

 

إذن ما الحل؟ كيف نخرج من عنق الزجاجة دون أن تنكسر؟ الخروج لن يكون بقرار واحد ولا بخطة إنقاذ سريعة. الخروج يحتاج إلى ثلاثة مسارات تمشي معاً.

 

المسار الأول هو مسار الإنتاج بأي ثمن. لا يمكن لعملة أن تقوى وبلدها لا ينتج. يجب أن تعود الزراعة فوراً حتى لو في مساحات محدودة وآمنة. قمح الجزيرة، قطن القضارف، سمسم كردفان، صمغ النيل الأزرق. هذه ليست محاصيل، هذه عملة صعبة تنبت من الأرض. يجب أن تعود الموانئ للعمل بكامل طاقتها، وأن نعطي أولوية للصادر على حساب أي شيء آخر. كل دولار يدخل من صادر هو رصاصة في صدر المضارب. ويجب أن نفتح الباب للاستثمار الوطني الصغير، للتاجر الذي يريد أن يفتح مصنع بسكويت، وللشاب الذي يريد أن يربي دواجن. الإنتاج هو الذي يعيد الثقة، والثقة هي التي توقف هروب الناس من الجنيه.

 

المسار الثاني هو مسار السيطرة على النقد. لا بد من توحيد سعر الصرف بالقوة، لا بالتمني. لا يمكن أن يكون هناك سعر رسمي وسعر موازي وفرق ١٠٠%. هذا الفرق هو مغناطيس الفساد. يجب أن تضخ الدولة ما تملكه من دولار في البنوك، وأن تجبر كل عائدات الصادر على الدخول عبر الجهاز المصرفي، وأن تضرب بيد من حديد على شركات والصرافات التي تسهل التحويلات المشبوهة. نعم، هذا مؤلم، ولكنه أقل ألماً من أن نترك الجنيه يموت.

 

المسار الثالث هو مسار السياسة. لا اقتصاد في ظل حرب. وحتى يحدث ذلك، يجب أن يكون هناك خطاب اقتصادي موحد، يخرج فيه المسؤول ويقول للناس الحقيقة كاملة. لماذا يرتفع الدولار، ومن المستفيد، وما هي الخطة. الشفافية وحدها قادرة على كسر نصف الشائعة ولابد من وعاء جامع يجتمع فيه كل السودانيين لتفويت الفرصة علي الاعداء السودان يسع الجميع .

 

السودان ليس بلداً فقيراً. السودان بلد منهوب. أرضه تخرج ذهباً ويدخل فقراً. أنهار تجري ويعطش الناس. فالمعركة الآن ليست معركة موارد، بل معركة إدارة وإرادة. إن أوقفنا النزيف، وأعدنا عجلة الإنتاج للدوران ولو ببطء، وأغلقنا النوافذ التي يدخل منها المضاربون، فإن الجنيه سيسترد أنفاسه. قد لا يعود قوياً غداً، ولكن على الأقل سيتوقف عن السقوط.

 

عنق الزجاجة ضيق، نعم. ولكن السودانيين عبروا أضيق منه من قبل. عبروه بالصبر، وبالتكافل، وبإيمان أن هذا البلد يستحق أن ننقذه من أنفسنا أولاً، ومن أعدائه ثانياً. فهل نبدأ اليوم قبل أن تتحطم الزجاجة؟

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

اللجنة الامنية بحلفا تحسم احداث «جبل البوم».. ضبط 65 متفلتا وفرض السيطرة على المنطقة

احكمت اللجنة الامنية بمحلية حلفا سيطرتها على الاوضاع بمنطقة جبل البوم جنوب شرقي مدينة عبري…