من تفكيك الدول إلى هندسة النفوذ: كيف تُدار الجغرافيا العربية بالأزمات والقواعد والممرات
مهندس/ طارق حمزة زين العابدين فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية 11 سبتمبر 2026

ليس المطلوب دائمًا احتلال العواصم أو رفع أعلام أجنبية فوق مؤسسات الدولة. في عصر الحروب الهجينة، قد تكون السيطرة الأكثر كلفةً والأقل ظهورًا هي السيطرة عبر إضعاف الدولة: تفكيك سلطتها المركزية، إغراقها في صراعات داخلية، تحويل الحدود إلى خطوط تماس، ثم الإمساك بممراتها التجارية ومواردها ومرافئها من خلال قواعد عسكرية وشبكات حلفاء محليين.
تقوم هذه المقاربة على معادلة شديدة الخطورة: فتّت الدول العربية، سيطر على طرق التجارة الاستراتيجية، ازرع القواعد العسكرية في محيطها، وستمتلك نفوذًا عسكريًا وماليًا طويل الأمد يمتد لعقود، وربما لبقية هذا القرن. فهي ليست سيطرة مباشرة بالمعنى التقليدي، بل إدارة نفوذ متدرّجة تُبقي الدول ضعيفة بما يكفي لطلب الحماية، ومنقسمة بما يكفي لعجزها عن اتخاذ قرار سيادي موحد.
*من الدولة المركزية إلى مناطق النفوذ*
إن تحويل دولة مثل سوريا إلى نموذج شبيه بليبيا لا يعني فقط استمرار الحرب أو تعثر التسوية السياسية؛ بل يعني إنتاج واقع جديد: مناطق متناحرة، سلطات محلية متنافسة، اقتصاد حرب، وحدود فعلية مرسومة بالنفوذ العسكري لا بالخرائط الرسمية. تبقى الدولة موجودة في الوثائق، لكن مركزها يفقد القدرة على فرض القانون، حماية الحدود، إدارة الموارد، أو توحيد القرار الوطني.
عندما تتراجع مؤسسات الدولة، يظهر البديل سريعًا: مليشيات، تشكيلات مسلحة، إدارات محلية، شبكات تهريب، شركات أمنية، ومصالح إقليمية ودولية تتعامل مع كل منطقة باعتبارها ملفًا مستقلاً. عندها لا يصبح السؤال: من يحكم الدولة؟ بل: من يملك الميناء، ومن يحرس المعبر، ومن يسيطر على حقل النفط، ومن يدير المجال الجوي، ومن يملك القدرة على تعطيل التجارة أو تأمينها؟
في مثل هذه البيئة، تصبح السيادة مجزأة. لا تعود قرارًا وطنيًا صادرًا عن مؤسسات منتخبة أو متوافق عليها، بل تتحول إلى حصص نفوذ موزعة بين قوى محلية، ورعاة إقليميين، وأطراف دولية تمتلك المال والسلاح والقدرة على منح الشرعية أو حجبها.
*ليبيا ليست حالة معزولة*
التجربة الليبية أظهرت كيف يمكن لانهيار السلطة المركزية أن يحوّل الدولة إلى شبكة سلطات متوازية، لكل منها داعمون ومصالح ومسارات اتصال خارجية. ومع مرور الوقت، لا تعود الانقسامات مجرد نتيجة للحرب، بل تصبح بنية سياسية واقتصادية قائمة بذاتها: السلاح مصدر قوة، والميناء مصدر دخل، والمطار نقطة نفوذ، والموارد الطبيعية ورقة تفاوض، والاعتراف الخارجي أداة لإعادة رسم موازين القوى.
والخطر أن يتحول هذا النموذج إلى قاعدة قابلة للاستنساخ. ففي سوريا واليمن والسودان والصومال، تختلف السياقات والتاريخ والفاعلون، لكن تتكرر عناصر مقلقة: ضعف السلطة المركزية، تعدد القوى المسلحة، تدخلات خارجية، تنازع على الموارد والمعابر، وظهور مراكز قرار تتجاوز الدولة أو تنافسها.
إن الدفع نحو الاعتراف بكيانات منفصلة أو التعامل المباشر معها، كما في الجدل المتعلق بصوماليلاند، لا يمكن فصله عن سؤال أوسع: هل يجري تثبيت واقع جديد يقوم على الكيانات الضعيفة أو المنفصلة بدل إعادة بناء الدول الجامعة؟ فالاعتراف السياسي ليس خطوة رمزية فقط؛ إنه قد يمنح سلطة محلية منفصلة قدرة على عقد الاتفاقات، واستقطاب الاستثمار، وإدارة الموانئ، وبناء علاقات أمنية خارج إطار الدولة الأم.
*المليشيا بوابة الانقسام*
حين تصبح المليشيات أقوى من الجيوش الوطنية، أو موازية لها، فإن الدولة تفقد احتكارها المشروع للقوة. ومن هنا يبدأ أخطر مسارات التفكك: يتحول السلاح من أداة لحماية الوطن إلى وسيلة لتوزيع السلطة والثروة، وتتحول المناطق إلى إقطاعات أمنية، ويتحول السكان إلى رهائن لدى قوى أمر واقع لا تخضع للمساءلة الوطنية.
في اليمن والسودان، كما في تجارب إقليمية أخرى، أدت الحرب وتعدد القوى المسلحة والتدخلات المتعارضة إلى إضعاف المؤسسات العامة وإطالة أمد الصراع. ولا يمكن فصل أي دعم مالي أو عسكري أو سياسي للقوى غير النظامية عن آثاره بعيدة المدى: إضعاف فرص التسوية، توسيع اقتصاد الحرب، وتغذية احتمالات الانقسام الجغرافي والاجتماعي.
إن تمويل وتسليح القوى المسلحة خارج المؤسسة الوطنية قد لا يُقدَّم دائمًا بوصفه مشروعًا انفصاليًا، لكنه قد ينتهي عمليًا إلى النتيجة ذاتها: سلطة موازية، موارد مستقلة، ولاء سياسي منفصل، وعجز متزايد لدى الدولة عن استعادة وحدتها.
*الممرات التجارية: جغرافيا الثروة والقرار*
لا تنفصل الحروب في المنطقة عن جغرافيتها الاستراتيجية. فمن البحر الأحمر وباب المندب إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، ومن شرق المتوسط إلى قناة السويس وسواحل القرن الأفريقي، تمر طرق بحرية حيوية للطاقة والتجارة العالمية. ومن يملك القدرة على تأمين هذه الممرات أو تهديدها، يملك نفوذًا يتجاوز حدود الدولة الواحدة.
لهذا تُبنى القواعد العسكرية قرب السواحل والمضائق، وتتنافس القوى الكبرى والإقليمية على الموانئ والجزر وخطوط الإمداد والمنشآت اللوجستية. ليست القاعدة العسكرية مجرد موقع دفاعي؛ إنها في كثير من الأحيان أداة مراقبة، ونقطة ضغط، وضمانة لحماية المصالح التجارية، ووسيلة للتدخل السريع عند الحاجة.
وعندما تتزامن القواعد مع دولة ضعيفة أو منقسمة، يصبح النفوذ أكثر رسوخًا وأقل كلفة. فبدل التعامل مع حكومة مركزية قوية قادرة على التفاوض من موقع الندية، تتعامل القوى الخارجية مع سلطات محلية متنافسة، لكل منها حاجتها إلى التمويل أو الحماية أو الاعتراف السياسي. هنا تتحول الجغرافيا من ملكية وطنية إلى مسرح مقايضات مفتوحة.
*من احتلال الأرض إلى إدارة الفوضى*
لم تعد الهيمنة الحديثة تشترط السيطرة المباشرة على كل شبر من الأرض. قد يكون من الأكثر فاعلية إبقاء الدولة في حالة هشاشة دائمة: لا تنهار تمامًا فتتحمل القوى الخارجية مسؤولية الفوضى، ولا تستقر تمامًا فتستعيد قرارها وسيادتها. إنها منطقة رمادية بين الدولة والفوضى، تتكاثر فيها الوكالات العسكرية، وتتوسع فيها الصفقات الأمنية، ويزدهر فيها اقتصاد السلاح والتهريب والخدمات المرتبطة بالنزاع.
في هذه المعادلة، تصبح الأزمات موردًا سياسيًا واقتصاديًا. تستفيد منها شركات السلاح، وشبكات الأمن الخاصة، وتجار الحرب، والجهات التي تملك القدرة على تأمين الموانئ والمعابر وخطوط النقل والطاقة. وكلما طال أمد النزاع، أصبحت التسوية أصعب، لأن أطرافًا عديدة تنشأ مصالحها من استمرار الوضع القائم.
لكن اختزال المشهد في “مؤامرة” واحدة تقودها جهة منفردة يطمس تعقيد الواقع. فالتفكك غالبًا ما ينتج عن التقاء عوامل داخلية وخارجية: فشل سياسي، غياب العدالة، صراعات هوية، فساد، تنافس إقليمي، تدخلات دولية، ووجود قوى محلية ترى في الحرب فرصة للسلطة والثروة. غير أن تعدد الأطراف لا يغيّر من حقيقة أن هشاشة الدولة تفتح الباب أمام التدخل، وأن التدخل المتكرر يعمّق هشاشتها.
*مستقبل المنطقة: استعادة الدولة لا إدارة الانقسام*
الرهان الحقيقي ليس على انتصار طرف مسلح على آخر، ولا على تثبيت خطوط التماس كحدود جديدة، بل على استعادة الدولة الوطنية الجامعة: جيش واحد، قرار سيادي واحد، مؤسسات قادرة على المحاسبة، اقتصاد منتج، وعقد اجتماعي يضمن الحقوق لجميع المكونات من دون تحويل التنوع إلى بوابة للتقسيم.
إن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس مجرد الحرب، بل الاعتياد عليها؛ وليس مجرد وجود قواعد أجنبية، بل تحولها إلى بديل دائم عن الأمن الوطني؛ وليس مجرد تنامي المليشيات، بل قبولها كأمر طبيعي في الحياة السياسية.
لقد تراجعت أحلام السيطرة الكاملة على الإقليم، لكن الصراع على النفوذ لم يتوقف. انتقل من السيطرة على العواصم إلى السيطرة على الموانئ والمضائق والموارد والحدود والجماعات المسلحة. وبينما تُدار السياسة الخارجية لبعض القوى ببطء ونَفَس طويل، يبقى السؤال المصيري أمام شعوب المنطقة: هل تُترك الجغرافيا العربية لتُدار بوصفها مجموعة أزمات ومناطق نفوذ، أم تُستعاد بوصفها فضاءً لدول مستقلة، متماسكة، وقادرة على حماية مصالحها الوطنية؟
رسالة من كامل إدريس لترمب..عندما يعلو الطبع السوداني..ويستصغر ويهزم الضغائن..ويرتاد ثريا الصفح الجميل..!!
*في لقاءٱت صحفية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، شاهد كل العالم وسمع، كيف (يتخاشن) مع الصحفيي…





