الكيماوي بين الادعاء والدليل عندما تسخر الصحافة من السؤال المشروع
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعت على مقال للصحفية رشا عوض بعنوان: «الكيماوي وصحافة قمبرة الشعب السوداني!»، سخرت فيه من إعلاميين شككوا في الادعاء باستخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي، وتهكمت على سؤالهم: «وينو الكيماوي؟»، ووصفت ما قاموا به بأنه «عبيط ومضحك».
وللأسف، أرى أن رشا في هذا المقال ابتعدت عن مقتضيات المهنية؛ لأن الصحفي ليس مطلوبًا منه أن يصدق الاتهامات لمجرد صدورها عن جهة سياسية، ولا أن يسخر ممن يشكك فيها، بل واجبه الأول أن يسأل عن الدليل ويتحقق منه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باتهام بالغ الخطورة مثل استخدام السلاح الكيميائي.
ولست متفقًا مع رشا حتى في سخريتها من الصحفيين الذين ذهبوا إلى المواقع وتساءلوا عن آثار الكيماوي. صحيح أن السلاح الكيميائي ليس «جسمًا ماديًا ضخمًا» يقف في الطريق كما قالت، ولكن هل معنى ذلك أنه إذا استُخدم لا يترك آثارًا يمكن البحث عنها؟
السلاح الكيميائي قد لا تراه العين بوصفه جسمًا قائمًا، لكن استخدام مادة كيميائية سامة على نطاق عسكري يفترض أن تكون هناك وقائع وآثار يمكن إخضاعها للفحص: إصابات وأعراض لدى المتعرضين، وشهادات من كانوا في المكان، وتقارير طبية، وعينات بيئية أو حيوية، وبقايا أو نواتج تحلل يمكن للمتخصصين البحث عنها بحسب نوع المادة والظروف المحيطة بها.
ولذلك فإن سؤال الصحفي: «أين آثار الكيماوي؟» ليس سؤالًا مضحكًا في جوهره، وإنما سؤال مشروع. وقد تكون طريقة التعبير شعبية أو بسيطة، ولكن المعنى الذي وراءها مهني تمامًا: أين الدليل المادي والطبي والفني على وقوع الاستخدام؟
فإذا قيل إن سلاحًا كيميائيًا استُخدم في منطقة ما، فمن الطبيعي أن يسأل الصحفي: أين المصابون؟ ما الأعراض التي ظهرت عليهم؟ أين التقارير الطبية؟ هل جُمعت عينات؟ من قام بتحليلها؟ ما المادة التي اكتُشفت؟ وأين تقرير الجهة الفنية المستقلة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي للصحافة أن تطرحها، لا أن تسخر ممن يطرحها.
والأغرب أن رشا نفسها تقترح، ساخرة، أن يأتي هؤلاء الصحفيون بخبير أو متخصص في الكيمياء ليقول إنه أجرى تحليلات للتربة والمياه ولم يجد أثرًا للكيماوي. ولكن لماذا السخرية من أصل الفكرة؟ أليست التحاليل العلمية والفحوصات المتخصصة هي الطريق الصحيح لإثبات وجود المواد الكيميائية أو نفي الأدلة عليها في العينات التي يمكن فحصها؟
ثم إن المسألة ليست مجرد خلاف سياسي حتى نتعامل معها بمنطق المواقف المسبقة. نحن أمام اتهام باستخدام سلاح محظور دوليًا، ومن يطلق مثل هذا الاتهام هو المطالب بتقديم الدليل الذي يمكن التحقق منه، وليس من يشكك فيه هو المطالب بإثبات البراءة.
صحيح أن الولايات المتحدة أعلنت أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وبنت على ذلك عقوبات على السودان. ولكن الإعلان الأمريكي، مهما كان وزن الدولة التي أصدرته، لا يغلق باب السؤال والتحقق، ولا يحول الاتهام بمجرد صدوره إلى حقيقة علمية نهائية.
وهنا تبرز حقيقة مهمة كان الأولى برشا أن تتوقف عندها: منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي الجهة الدولية الفنية المختصة، لم تعلن ثبوت استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي بناءً على تحقيق فني مستقل أجرته المنظمة. بل إن ما صدر عنها تناول المسألة باعتبارها ادعاءات مثيرة للقلق، وهو فارق جوهري بين وجود اتهام وبين ثبوته فنيًا.
فإذا كانت الجهة الدولية المختصة نفسها لم تعلن نتيجة تحقيق فني مستقل تثبت هذا الاتهام، فبأي منطق يصبح تشكيك الصحفيين فيه مادةً لسخرية رشا؟ ولماذا يُطلب من الصحفي أن يتعامل مع الادعاء بوصفه حقيقة محسومة، قبل أن تقول الجهة الفنية المختصة كلمتها المبنية على التحقيق والأدلة؟
وهذا تحديدًا هو جوهر القضية: هناك فرق كبير بين أن تقول دولة إن لديها معلومات دفعتها إلى اتخاذ موقف سياسي وفرض عقوبات، وبين أن يصدر تحقيق فني مستقل عن جهة دولية مختصة يحدد المادة المستخدمة ومكان استخدامها ووسيلتها والأدلة التي تثبت ذلك.
ومن هنا كان الأولى برشا، بدل السخرية من زملائها، أن توجه قلمها إلى الأسئلة الأهم: ما الأدلة الفنية التي تثبت استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي؟ ما المادة المستخدمة؟ أين ومتى استخدمت؟ من هم الضحايا؟ ما نتائج الفحوصات الطبية؟ ومن جمع العينات؟ وفي أي مختبرات حُللت؟ وهل توجد نتيجة تحقيق فني مستقل يمكن للرأي العام الاطلاع عليها؟
هذه الأسئلة ليست دفاعًا عن الجيش، بل دفاع عن الحقيقة وعن أبسط قواعد العدالة.
فمن يتهم الجيش باستخدام السلاح الكيميائي عليه أن يقدم الدليل، ومن يملك الدليل فليضعه أمام السودانيين والعالم، وعندها لا ينبغي لأحد أن يدافع عن جريمة ثبتت بالأدلة. أما أن يتحول الاتهام نفسه إلى حقيقة مكتملة، ثم يصبح من يشكك فيه موضع سخرية واستهزاء، فهذه ليست مهنية صحفية.
ومن حق أي إعلامي أن يرى أن القضية ادعاء، بل وأن يصفها بأنها كذبة إذا كان يبني موقفه على ما يراه من غياب الأدلة الموثوقة، كما أن من حق رشا أن تخالفه وتقدم ما لديها من أدلة. لكن ليس من المهنية مصادرة حقه في الشك، وكأن المطلوب من الصحفي أن يصدق أولًا ثم يبحث عن الدليل لاحقًا.
الصحفي الحقيقي يفعل العكس: يشك أولًا، ويسأل، ويتحقق، ثم يبني موقفه على ما تثبته الأدلة.
ولهذا فإن عبارة «وينو الكيماوي؟» التي سخرت منها رشا يمكن إعادة صياغتها بلغة أكثر علمية، ولكنها تظل في جوهرها سؤالًا مشروعًا:
أين آثار الاستخدام؟ أين الضحايا؟ أين العينات؟ أين التحاليل؟ وأين التقرير الفني المستقل الذي يحسم هذا الاتهام؟
هذه الأسئلة لا تستحق الضحك، بل تستحق الإجابة.
فالقضية ليست «قمبرة الشعب السوداني» كما عنونت رشا مقالها، وإنما القضية ألا يُطلب من الشعب السوداني أن يصدق اتهامًا بهذه الخطورة دون أن توضع أمامه أدلته.
وفي زمن الحرب، حين تختلط الدعاية بالحقيقة، تصبح مهمة الصحفي أكثر صعوبة وأشد مسؤولية. فلا ينبغي أن يكون بوقًا للجيش، ولا للدعم السريع، ولا لأي دولة خارجية، ولا لأي محور سياسي. مهمته أن يقف أمام الجميع بالسؤال نفسه:
أين الدليل؟
ومن يسخر من السؤال عن الدليل، فالأجدر به أن يقدّم الدليل قبل أن يسخر من المطالبين به؛ فالحقيقة لا تثبت بالتهكم، وإنما بالحجة والبرهان.
البرهان يكشف لأول مرة أسرار عن البشير وحميتي!!
في أول لقاء جمع صحفيي الداخل والخارج مع القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس السيادة الفر…





