الجاليات السودانية جبهة وطنية لا يجوز تحييدها بانتظار تحقيق التوافق !
السفير/ رشاد فراج الطيب

في الحروب الحديثة ، لا تُحسم المعارك في ميادين القتال وحدها ، ولا يكون الانتصار باستعادة الأرض وتحرير المدن فحسب ؛ وإنما تُخاض إلى جانبها معركة أخرى لا تقل خطورة ، هي معركة الوعي والرواية والصورة والرأي العام .
وفي هذه المعركة تبرز أهمية “الدياسبورا” والجاليات السودانية في دول الاغتراب والمهاجر ، باعتبارها قوة اجتماعية ووطنية قادرة على الحركة والتأثير ، خصوصاً في الدول التي تتمتع فيها المجتمعات المدنية بهامش معقول من حرية التعبير ، ويكون للرأي العام ووسائل الإعلام والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث ومجموعات الضغط تأثير معتبر في صناعة القرار وتوجيه السياسات .
ولذلك فإن وجود ملايين السودانيين خارج وطنهم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد ظاهرة اغتراب أو هجرة بحثاً عن الأمن والعمل والاستقرار ، وإنما باعتباره رصيداً وطنياً واستراتيجياً وقوة ناعمة سودانية يمكن أن تسهم في الدفاع عن السودان وقضيته ومصالحه ، ومواجهة حملات التضليل التي تستهدف تشويه حقيقة ما يجري في البلاد .
فالسودان لا يواجه حرباً عسكرية فحسب ، وإنما يواجه أيضاً حرباً على الرواية الوطنية ؛ حرباً تسعى فيها جهات مختلفة إلى إعادة تعريف أسباب الحرب ، وقلب المعتدي إلى ضحية ، والضحية إلى متهم ، وتصوير الدولة وجيشها باعتبارهما أصل الأزمة ، بينما يجري التغاضي عن التمرد والعدوان والانتهاكات والجرائم التي شاهدها العالم بالصوت والصورة .
وهنا يصبح صوت الجالية السودانية في الخارج جزءاً من الدفاع عن الوطن ، ويصبح تحييدها أو إضعاف دورها خسارة لا ينبغي أن تتحملها الدولة في مثل هذه الظروف .
ومن هنا لا بد من كلمة واضحة للسفارات والبعثات الدبلوماسية :
إن رعاية الجاليات ليست نشاطاً اجتماعياً أو بروتوكولياً فحسب ، وليست وظيفة تقتصر على تنظيم المناسبات والاحتفالات وإنجاز المعاملات القنصلية .
ففي ظروف الحرب والأزمات الوطنية الكبرى ، تتحول الجالية إلى امتداد للدبلوماسية الشعبية ، وأحد روافع القوة الوطنية في الخارج .
ومن ثم فإن على السفارات أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع جالياتها واعادة تعريف تلك العلاقة ، وأن تنتقل من مجرد التواصل المناسباتي إلى التمكين والتنظيم والتنسيق ؛ فتتواصل مع أبناء الوطن جميعاً ، وتستمع إليهم ، وتوفر لهم المعلومات والبيانات الموثقة ، وتدعم المبادرات الوطنية البناءة ، وتفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والنساء ، وتنسق الجهود التي يمكن أن تسهم في دعم السودان وإعادة بناء مؤسساته وخدماته واقتصاده .
وعليها كذلك أن تستخدم ما يتاح لها من أدوات دبلوماسية وقانونية لحماية أبناء الجالية من الإجراءات الكيدية أو التضييق غير المشروع بسبب نشاطهم السلمي في الدفاع عن وطنهم ، ما داموا ملتزمين بقوانين الدول التي يقيمون فيها.
لكن التمكين لا يعني أن تتحول السفارات إلى أدوات حزبية ، ولا أن تفرض على الجاليات موقفاً سياسياً موحداً ؛ وإنما يعني أن تُفسح المجال أمام الوطنيين للعمل من أجل السودان ، وألا تجعل الخلاف السياسي ذريعة لتعطيل الأغلبية أو شل المبادرات الوطنية .
فالجالية تنظيم خدمي واجتماعي للجميع ، وليست منصة للعمل الحزبي .
ولكل سوداني حقه في الانتماء لحزبه ورأيه السياسي خارج مؤسسات الجالية ، أما داخلها فينبغي أن يكون معيار العمل هو خدمة السودانيين والدفاع عن مصالح الوطن في إطار القانون .
والتوافق لا يعني الوقوف على مسافة واحدة بين الوطني والرمادي أو المحايد
ولا ينبغي أن يصبح شعار التوافق وإرضاء الجميع غاية تتقدم على المصلحة الوطنية .
فالتوافق مطلوب في القضايا التي تحتمل تعدد الآراء والاجتهادات ، أما عندما يتعلق الأمر بسيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض العدوان وحماية المدنيين واستعادة مؤسسات الدولة ، فإن “الوقوف على مسافة واحدة” بين من يدافع عن وطنه ومن يعمل على تقويضه ليس حياداً إيجابياً ، وإنما قد يتحول إلى تعطيل للموقف الوطني وإضعاف له .
وليس مطلوباً من السفارات أن تصنع خصومة مع أحد ، ولا أن تمنع أحداً من التعبير السلمي عن رأيه ، ولكن المطلوب منها ألا تسمح لقلة منظمة بأن تختطف صوت الجالية الوطني ، أو تفرض عليها خطاباً يتناقض مع توجهات أهل السودان ، وألا تجعل السعي إلى إرضاء الجميع سبباً في تحييد الوطنيين الذين يريدون إسناد دولتهم ومؤسساتها وجيشها .
فالحياد ليس فضيلة في كل الأحوال .
وعندما يكون الموقف بين الحق والباطل ، وبين المعتدي والضحية ، وبين الدولة التي تدافع عن وجودها وتمرد يستهدف إسقاطها ، فإن ما يسمى بالحياد قد يتحول عملياً إلى تخلٍّ عن نصرة الحق ، أو إلى خدمة للرواية التي يريد المعتدي تسويقها .
ولذلك فإن شعار “لا للحرب” في صورته المجردة لا يكفي لوصف الحالة السودانية ؛ لأن السؤال الذي يسبق الدعوة إلى وقف الحرب هو : من بدأ الحرب ؟ ومن اعتدى ؟ ومن يشن حربا علي الدولة والمجتمع ؟ ومن يتحمل مسؤولية الانتهاكات والدماء ؟
أما الشعار الأكثر عدلاً واتزاناً فهو :
لا للتمرد .. لا للعدوان .. لا لاستهداف المدنيين .. لا للحرب على السودان .
فالسلام الحقيقي لا يُبنى بتجاهل المعتدي ، ولا بمساواة الضحية بالجلاد ، وإنما بإدانة العدوان ومعالجة جذور الحرب ، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون .
وفي المقابل، فإن على أبناء الجاليات السودانية الوطنيين في الخارج أن يدركوا أن دورهم لا يحتاج دائماً إلى انتظار توجيه من سفارة أو إشارة من جهة سياسية .
الوطن أكبر من السفارة ، وأكبر من الأحزاب ، وأكبر من الخلافات الشخصية والتنظيمية .
فمن أراد أن ينصر السودان ، فليبدأ من موقعه ؛ ومن أراد أن يدافع عن وطنه ، فليستخدم ما يملك من معرفة وعلاقات وتأثير .
وعلى الوطنيين في الخارج أن يعيدوا ترتيب صفوفهم ، وأن ينشئوا منصات للتواصل والتنسيق ، وأن يطلقوا المبادرات الوطنية ، وأن يتحركوا وفق قوانين الدول التي يقيمون فيها ، وأن يخاطبوا البرلمانات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث ، وأن يشرحوا حقيقة ما يجري في السودان ، ويدافعوا عن سيادته ووحدته ومؤسساته الوطنية ، ويسهموا في كشف التضليل والانتهاكات .
كما يمكنهم أن يستقطبوا الدعم اللازم للخدمات والتنمية وإعادة الإعمار ، وأن يوظفوا علاقاتهم وخبراتهم في خدمة السودان في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة والإعمار والاستثمار والتكنولوجيا وغيرها .
وهذا الدور لا ينبغي أن يقتصر على إسناد المعركة العسكرية ، وإنما يمتد إلى إسناد الدولة والمجتمع ومؤسساتها المدنية والخدمية ، والاستعداد المبكر لمرحلة التعافي وإعادة البناء .
إن السودان يمتلك دياسبورا واسعة من العلماء والأطباء والمهندسين والأكاديميين ورجال الأعمال والإعلاميين والدبلوماسيين والطلاب والشباب والنساء ، وهي طاقات يمكن أن تتحول ، إذا أحسن تنظيمها، إلى قوة ناعمة سودانية حقيقية تدافع عن الوطن ، وتساند مؤسساته ، وتخدم مشروع إعادة بنائه .
وقد قدم أبناء السودان في الخارج الكثير لأهلهم ووطنهم ، ولهم أيدٍ سلفت ، ودين يستحق التقدير والاحترام والوفاء والجزاء .
لكن المطلوب اليوم دور مختلف وجهد مضاعف ، لا يتحقق بالمزيد من الانقسام والمعارك الصغيرة والمكاسب الذاتية ، وإنما بإعادة تعريف الوجود السوداني في الخارج باعتباره امتداداً حياً للوطن وجبهة متقدمة في معركة الوعي والدفاع عن الحقيقة والمصالح الوطنية .
وهنا يأتي دور السفارات في تمكين هذه الطاقات ، وتنسيقها ، وتوفير المعلومات الموثوقة لها ، وفتح قنوات التواصل بينها وبين مؤسسات الدولة ، دون أن تتحول الجاليات إلى منصات حزبية أو سياسية .
كما أن على السفارات أن تدرك أن الجالية الحية والمنظمة ليست عبئاً إدارياً ، وإنما ثروة دبلوماسية وشعبية يمكن أن تضيف الكثير إلى حضور السودان ومصالحه في الدول المضيفة .
وفي المقابل ، على الجاليات ألا تنتظر دائماً أن تأتيها المبادرة من السفارة ؛ بل عليها أن تأخذ زمام المبادرة ، وتنظم صفوفها ، وتستثمر طاقاتها ، وتبادر إلى كل ما يمكن أن يخدم الوطن ومؤسساته وشعبه ، في حدود القانون وبعيداً عن الحزبية والاستقطاب .
فمعركة السودان ليست معركة الجيش وحده ، وإن كان الجيش هو المؤسسة الوطنية التي تحمل السلاح في الخطوط الأمامية للدفاع عن الدولة والأرض والسيادة .
إنها معركة الدولة والمجتمع والشعب والوعي والهوية والسيادة .
والجيش الذي يقاتل في الميدان يحتاج إلى إعلام واسناد طني في الخارج ، وإلى دبلوماسية شعبية ، وإلى جاليات حية ، وإلى أصوات سودانية غيورة تعرف كيف تخاطب العالم بلغته وقوانينه ومؤسساته .
وفي زمن المحن ، لا تُقاس الوطنية بكثرة الشعارات ، وإنما بقدر ما يقدمه الإنسان لوطنه حين يحتاج الوطن إليه .
ومن لا يستطع أن يحمل السلاح ، يستطيع أن يحمل الحقيقة ؛ ومن لا يستطع أن يقاتل في الميدان ، يستطيع أن يقاتل التضليل والسلبية ؛ ومن لا يستطع أن يعود إلى السودان ، يستطيع أن يكون للسودان حيث هو .
فلتنهض دياسبورا السودان بمزيد من الحركة والإسناد ، ولتنهض جالياته ، ولتكن حيث يجب أن تكون :
مع الوطن .. مع الدولة .. مع الجيش .. مع السيادة .. ومع حق السودان في أن يعيش آمناً ، حراً ، عزيزاً ، ومستقلاً .
موسكو.. مواقف حاسمة لحماية سيادة السودان…!! مواقف روسيا بمجلس الأمن تدعم شرعية السودان وسيادته موسكو تحبط المشروع الأمريكي وتفرض التمديد التقني مساندة روسية صريحة للجيش السوداني تحبط مساعي المساواة بالمليشيا تحذيرات موسكو تفضح مخاطر حظر التسليح على مؤسسات الدولة الدبلوماسية السودانية مطالبة باستثمار هذا الزخم الدولي غير المسبوق الدعم الروسي يمثل رافعة حقيقية لطي صفحة مليشيا آل دقلو الخرطوم :رمضان محجوب
شهدت جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة حول السودان .. عاصفة دبلوماسية عاتية ، لتفرض واقعاً صا…





