السودان.. تسوّل المكانة في سوق المهانة
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أحيانًا تكفي صورة واحدة كي يشعر الإنسان أنه أصبح مهمًا يقف إلى جوار مسؤول، أو شخصية نافذة، أو رجل أعمال، أو صاحب حضور عام. يبتسم للكاميرا، يلتقط الصورة، ثم يغادر المشهد وفي يده شيء لا تراه العدسة.
*إيحاء بالمكانة..*
ينشر الصورة، فتبدأ المسافة بينه وبين الشخصية التي وقف بجوارها في أداء وظيفة جديدة. لم تعد المسافة مجرد سنتيمترات بين كتفين، أصبحت رسالة..
> أنا أعرف من تعرفون، وأصل إلى حيث لا يصل كثيرون، ولي طريق إلى صاحب القرار.
وهنا لا تعود الصورة ذكرى ، تصبح شهادة مكانة.
المشكلة إذن ليست في الصورة، ولا في لقاء المسؤول، ولا في الفرح بالظهور معه. المشكلة تبدأ عندما تتحول الصورة من ذكرى إلى إشارة، ومن إشارة إلى قيمة، ومن القيمة إلى منفعة عندها لا يعود الإنسان يصنع مكانته ، إنه يستعيرها.
وهنا يتغير السؤال الاجتماعي بهدوء مخيف ..فلم يعد الأهم «ماذا أنجزت؟»، بل «مع من ظهرت؟» ، ومن هذه النقطة الصغيرة تبدأ حكاية أكبر.
كان القرب من السلطة قديمًا مسألة مكان، باب قصر، مجلس حاكم، مقعد قريب من صاحب القرار. أما اليوم فقد أصبح القرب محتوى؛ صورة تُنشر، ويراها الآلاف، فيتحول القرب الخاص إلى مكانة عامة.
وهكذا ينشأ ما يمكن تسميته اقتصاد القرب ..
القرب يصنع صورة، والصورة تمنح مكانة، والمكانة تفتح بابًا، والباب ينتج منفعة، والمنفعة تعيد إنتاج القرب.
> لكن الأخطر من اقتصاد القرب هو ما يحدث عندما تصبح المكانة نفسها قابلة للاستعارة.
فمن يستعير مكانة شخص نافذ، قد يجد نفسه قادرًا على استعارة شيء آخر.. الوصول، الحماية، المعلومة، التأثير.
وهنا يبدو نيكولا ميكافيلي حاضرًا بطريقة مختلفة في كتابه الأمير لم تكن السلطة عنده مجرد قدرة على الأمر والنهي، كان شديد الحساسية تجاه الصورة التي تُرى بها السلطة في أعين الناس. فالقوة لا تعمل بما تملكه فقط، وإنما بما يعتقد الآخرون أنها تملكه.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة، السلطة في أعلى درجات جاذبيتها ليست حين تطارد الناس ليقتربوا منها، بل حين تجعل الاقتراب منها يبدو مكسبًا للآخرين.
> عندها لا تطارد السلطة الناس.. الناس يطاردون المسافة التي تفصلهم عنها.
وهنا تصبح الصورة جزءًا من صناعة النفوذ، لأنها لا تقول فقط «هذا الشخص قابل المسؤول»، بل توحي.. «هذا شخص له وزن لأن له طريقًا إلى أصحاب الوزن.»
ثم تدخل الصحافة إلى المشهد…
وحين يتحول القرب من السلطة إلى رأسمال شخصي، يصبح بعض الإعلاميين عرضة للوقوع في المنطق نفسه .. دعوة، منفعة، معلومة، حماية، هدية، أو مجرد امتياز الدخول إلى «الدائرة».
عندها قد تتغير وظيفة الصورة من كشف السلطة إلى تجميلها، ويتحول القرب من وسيلة للحصول على المعلومات إلى وسيلة للحصول على المكاسب فتكبر الإنجازات، وتصغر الأسئلة، وتختفي الأخطاء خلف كثافة الظهور.
وهنا لا نتحدث عن شخص بعينه، بل عن سوق تتبادل فيه الأطراف ما لديها: السلطة تمنح الوصول، والقريب يمنح الصورة، والإعلام يمنح المساحة، والجميع يحصل على شيء.
لكن السوق لا يتوقف عند الداخل.
إذا كانت المكانة قابلة للاستعارة، فإن النفوذ قابل للوساطة وهنا نصل إلى المنطقة التي كثيرًا ما نبحث عنها في الخارج بينما تبدأ في الداخل.
> التأثير لا يحتاج دائمًا إلى أن يأتيك أحد ليقول: «غيّر موقفك» قد يبدأ بسؤال أكثر ذكاءً..
ماذا تريد أنت؟ ، هل تريد مالًا؟
اعترافًا؟ وجاهة؟ حماية؟ صورة؟
دعوة؟ وصولًا؟
> إذا عرف أحدهم حاجتك، فقد لا يحتاج إلى شراء موقفك مباشرة. يكفي أن يمول الحاجة التي تقودك إليه.
وهنا تصبح الحاجة الإنسانية نفسها موردًا.نحن نبحث عادةً عن موارد الدولة في الذهب والنفط والماء والأرض والموانئ، لكن هناك موارد أخرى لا تظهر في دفاتر الحسابات..
الاعتراف مورد ، الوجاهة مورد.
القرب مورد ، الحماية مورد.
والرغبة في أن يشعر الإنسان بأنه مهم… مورد أيضًا.
> ومن يعرف هذه الموارد يستطيع أن يبني منها طريقًا إلى التأثير.
صورة مقابل قرب.
قرب مقابل منفعة.
منفعة مقابل موقف.
ثم يُعاد تقديم الموقف في النهاية باعتباره قناعة مستقلة.
وهنا تكمن أخطر درجات النفوذ ، ليس أن تجبر إنسانًا على ما تريد، بل أن تجعله يفعل ما تريد وهو مقتنع أنه اختار ذلك بنفسه.
هذه هي النقطة التي يصبح فيها التأثير أعمق من الإقناع المباشر، وأهدأ من الإكراه، وأصعب في الاكتشاف ولهذا فإن حماية الوعي الوطني لا تبدأ فقط بسؤال من يحاول التأثير فينا؟ ، بل بالسؤال الأصعب ، ماذا يجد القادم من الخارج جاهزًا في الداخل؟
فإذا كانت المكانة تُنال بالقرب لا بالإنجاز، وإذا كانت المؤسسات أبوابًا شخصية، وإذا أصبح الإعلام يبحث عن الدائرة أكثر من بحثه عن الحقيقة، وإذا أصبح الإنسان مستعدًا لمقايضة استقلاله باعتراف الآخرين به، فإن الطريق إلى التأثير لن يحتاج إلى أن يُشق من الخارج.
سيجد أبوابه مفتوحة من الداخل وهنا لا تكون المشكلة في الأفراد وحدهم؛ بل في البيئة التي تجعل هذا السلوك مربحًا.
> المجتمع المحصّن ليس مجتمعًا بلا طامحين، وإنما مجتمع يجعل الطموح يمر عبر الإنجاز لا التملق، وعبر المؤسسة لا الشخص، وعبر الكفاءة لا القرب.
لذلك ربما آن الأوان أن نعيد تعريف المكانة.
> المكانة ليست أن تكون في صورة بجوار صاحب النفوذ.
> المكانة أن تستطيع الوقوف أمامه دون أن تحتاج إلى الوقوف بجواره.
> أن تقول «لا» دون أن تخشى فقدان الامتياز.
> أن يعرفك الناس بما صنعت، لا بمن تعرف.
> وأن تكون صورتك نتيجة لقيمتك، لا وسيلة لصناعة قيمة ليست لك.
#أصل_القضية..
ربما لا تكون أخطر صور التسول تلك التي نمد فيها أيدينا طلبًا للمال.
> الأخطر أن نمد كرامتنا طلبًا للمكانة.
فحين تصبح الحاجة إلى المكانة موردًا، يصبح الإنسان نفسه بوابة.
وحين تصبح البوابة قابلة للشراء، لا يعود السؤال: من دخل إلينا؟
بل من عرف أين يوجد المفتاح؟
فالقوة لا تدخل دائمًا من الباب الذي نراقبه.
أحيانًا تدخل من باب صغير جدًا…
اسمه الحاجة إلى المكانة.
ومن يتسوّل المكانة من صاحب النفوذ، قد يكتشف متأخرًا أنه لم يشترِ مكانة…
وإنما استأجر صورةً من المهانة.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.
زين تحتفي بصاحبة المركز الأول في الشهادة السودانية
في مبادرة تعكس تقديرها للتميز ودعمها للتعليم، احتفت الشركة السودانية للهاتف السيار ( زين )…





