الإعلام ودراما التنمية.. من الألفية الإنمائية إلى إعادة الإعمار
وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

إذا كانت الحرب قد هدمت البيوت والمنشآت والطرق، فإنها هدمت أيضًا جزءًا من الثقة بين المواطن والدولة، وأضعفت الإحساس بالمستقبل، ووسّعت المسافة بين المركز والأطراف، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى العيش في حالة من الشك والخوف وعدم اليقين.
لذلك، لا تتوقف إعادة الإعمار عند إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تبدأ بإعمار الوعي، فدولة ما بعد الحرب تحتاج مجتمعًا أكثر وحدة واكثر بصيرة ، ووعيًا بتحديات المرحلة، وقدرة نافذة على ترميم ما أصاب نسيجها الاجتماعي من تمزق. ومن هنا، في تقديري لا ينبغي أن يكون الإعلام التنموي والدراما مجرد أدوات مصاحبة للإعمار، بل وسائل لإعادة بناء الثقة، وترميم الذاكرة، وترسيخ قيم التعايش والمواطنة.
وبذلك يصبح استدعاء تجربة أهداف الألفية الإنمائية التي تبنتها الأمم المتحدة وعملت علي ترسيخها ، باعتبارها مرحلة حتمية، أسست لتحول دولي في مفهوم التنمية، قبل الانتقال إلى أهداف التنمية المستدامة 2030. فقد أصبحت التنمية أكثر ارتباطًا بالفقر والصحة والتعليم والعمل والمساواة والبيئة والمؤسسات والشراكات، وبات بناء الإنسان امراً مهما في التنمية.
فقد أكدت تجارب مؤسسات سودانية، بينها وحدة تنفيذ السدود، أن التنمية لا تنجح بالمشروعات والاجتهادات وحدها. ففي مشروعات مروي والروصيرص وأعالي عطبرة وسيتيت وحصاد المياه وإعادة التوطين، وظفت الوحدة الدراما والمسرح الجوال لتحويل القضايا التنموية المعقدة إلى قصص قريبة من الناس، وربط المشروع بحياة المجتمع ومصالحه.
كان المسلسل الإذاعي “وادي العطش” لشاذلي عبد القادر ،حكاية عن المياه وحصادها، وكان “جرادق المطر”لعبد الناصر الطائف ،اقترابًا دراميًا من الصراع حول الموارد، بينما حاول “صدى الأمواج” معالجة التحولات الاجتماعية المرتبطة بإعادة التوطين. أما المسرح الجوال، فكان تجربة أكثر مباشرة، لأنه خرج من الاستوديو إلى الناس، ومن الشاشة إلى الساحة العامة، وفتح مساحة للحوار بين المجتمع والقائمين على المشروع.
لكن هنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة ، نجاح الإعلام التنموي لا يقاس بعدد الذين اقتنعوا بالمشروع، وإنما بعدد الذين أصبحوا قادرين على فهمه والمشاركة فيه. وهذه نقطة فارقة بين إعلام العلاقات العامة وإعلام التنمية.
فالدولة التي تستخدم الإعلام، لتقول للمواطن إن المشروع ناجح، قد تكسب معركة الرسالة قصيرة المدى، لكنها لا تبني بالضرورة ثقة طويلة المدى. أما الدولة التي تسمح للإعلام والدراما بأن تعرض أيضًا المخاوف والأسئلة والآثار الجانبية، فهي تضع أساسًا أكثر صلابة لعلاقة جديدة مع المجتمع.
لذلك إعلام إعادة إعمار السودان يجب ألا يكتفي بتجميل المشهد، بل يراقب مع المجتمع كيف يُعمر السودان، ولمن وبأي أولويات، حتى لا تعيد عملية الإعمار إنتاج التهميش الذي أسهم في صناعة الأزمة. وهنا تتحول الدراما إلى أداة تنموية تطرح أسئلة الحياة بعد الحرب، عودة النازحين، فرص الشباب، عودة الزراعة، جودة التعليم والمياه، وعدالة توزيع الموارد، أي أن تجعل المواطن يرى في الإعمار حقًا ومسؤولية ومستقبلًا مشتركًا.
هذه الأسئلة هي جوهر التنمية، فإعادة الإعمار ينبغي أن تعيد وصل ما مزقته الحرب، لا أن تعيد إنتاج السودان القديم بأدواته القديمة. لذلك تصبح أهداف التنمية المستدامة إطارًا متكاملًا للمياه والطاقة والزراعة والتعليم والصحة والعمل والسلام والمؤسسات، مع إعادة النظر في علاقة الدولة بالمواطن، وعدالة توزيع الموارد، وشراكة المركز والأطراف. وهنا يمكن للدراما أن تصبح مختبرًا اجتماعيًا لإعمار الوعي، تجمع في حكاية واحدة.
السودان لا يحتاج بعد الحرب بحسب #وجه_الحقيقة، إلى إعلام يجمّل مشروعات الإعمار، بل إلى إعلام يشرحها ويراقبها ويجعل المواطن شريكًا فيها، وإلى دراما تفتح الأسئلة وتعيد بناء الثقة والنسيج الاجتماعي.
فقد أثبتت تجربة وحدة تنفيذ السدود أن القصة والمسرح والإذاعة قادرة على تقريب التنمية من الناس، لكن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من التبشير بالتنمية إلى المشاركة فيها. فإعادة الإعمار ليست بناء الحجر، بل بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، لأن البلد لا يُعاد بناؤه بالخرسانة وحدها، وإنما بوعيٍ يستعيد الثقة، ومجتمعٍ يرى نفسه شريكًا في المستقبل.
دمتم بخير وعافية
الإثنين 28 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
زمن الحسم
مع دخول الربع الأخير من العام ٢٠٢٦تكون القوات المسلحة السودانية قد حسمت موضوع كردفان وتبدأ…





