محاكمة المركزي بالإشاعة: ما الذي تقوله الوقائع؟ النقد حقٌّ للجميع، لكن تحميل مؤسسة ما لا تملك، ونسبة الخيانة إلى من لا مستند عليه، ليس نقداً.
بقلم: محمد الأمين مصطفى — كاتب صحفي مستقل

لا أكتب هذه السطور دفاعاً عن مؤسسة مبرَّأة من الخطأ، فليس في الاقتصاد مؤسسة كذلك، ولا سيما في زمن الحرب. وللبنك المركزي أخطاء يعرفها قبل غيره: تأخُّر الإفصاح، وبقاء أكثر من سعر للدولار في وقت واحد، وقرارات صدرت بلا شرح كافٍ فملأ الناسُ الفراغ بالظنون. لكنني أقرأ في الأسابيع الأخيرة ما يتجاوز النقد إلى شيء آخر: مقالات تتوالى، كلٌّ منها يحمّل المصرف المركزي وزر أزمة جديدة، ويستند إلى ما سبقه، ولا يحمل أيٌّ منها مستنداً واحداً. وعند هذا أريد أن أقف.
أولاً: الجنيه لم يسقط من نافذة المركزي وحده
تشير تقديرات السوق الموازي إلى أن الدولار انتقل من نحو 565 جنيهاً قبيل الحرب إلى أكثر من 8,400 جنيه، أي أن الجنيه فقد نحو 93% من قيمته. وهذه تقديرات صحفية وبحثية وليست إحصاءً رسمياً، لكن اتجاهها لا يماري فيه أحد. والسؤال المنصف: هل يملك بنك مركزي، أي بنك مركزي، أن يوقف هذا المسار وحده؟
الأرقام المنشورة تقول إن الاقتصاد دخل الحرب هشاً. فقد السودان معظم نفطه بانفصال الجنوب عام 2011، وبلغ التضخم نحو 359% في 2021 ونحو 138.8% في 2022، أي قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى. ثم جاءت الحرب فتراجع الناتج 29.4% في 2023 و13.5% في 2024، وهبطت الصادرات 37.1% في 2023، وقدّرت الإيرادات العامة بأقل من 5% من الناتج حتى تعذّر دفع الرواتب في قطاعات عدة، وشُرّد أكثر من 14 مليون إنسان. دولة بهذه الأرقام لا تجد لنفقاتها إلا أضيق الأبواب، وقرار الإنفاق والتمويل قرارٌ مالي تشارك فيه الدولة بمؤسساتها كلها، ولا ينفرد به المصرف المركزي. والبنك لا يطبع الدولار، وإنما يدير موردَ نقدٍ أجنبي شحيحاً بين استخدامات متنافسة: دواء وقمح ووقود ومدخلات زراعية. ومن يحمّله وحده «إسقاط الجنيه» كمن يحاسب رجل الإطفاء على اندلاع الحريق.
ولا أنكر، إنصافاً، أن التمويل النقدي للعجز قناة رئيسية من قنوات الضغط على العملة، وأن تعدد أسعار الصرف يفتح باب المراجحة والريع. هذا نقد في محله، وعلاجه إصلاح مالي ونقدي متسلسل، لا التشهير. أما الزعم بأن الدولة تشتري الدولار من السوق الموازي فيتداوله اقتصاديون ولم تُنشر وثيقة تثبته ولا أكّده مصدر رسمي، وبين الفرضية والحقيقة مسافة اسمها الدليل.
ثانياً: الوقود، أو كيف تُجمع الخيوط في عقدة واحدة
أزمة الوقود حقيقية، والمواطن في الطابور يدفع ثمنها والغضب منها مفهوم. غير أن أزمة بهذا الحجم تمر بحلقات كثيرة: التقدير والترخيص والتخصيص، ثم الاستيراد والتخزين والنقل والتوزيع والرقابة، ولكل حلقة جهة مختصة. ونظام المجموعات الذي تنظم به الحصص بين الشركات قررته وزارة الطاقة لا البنك المركزي، ورقابة التوزيع وحركة الكميات داخل السوق ليست من اختصاصه. ودور البنك محصور في الجانب المالي: الترخيص المالي والضمانات والنقد الأجنبي.
وفي هذا الجانب بالذات تُقال أشياء لا تستقيم. فمن يقول إن البنك «يتفرج» هو نفسه من يسرد تدخلاته: شرط الضمان وحصر النقد الأجنبي. وشرط الضمان الذهبي الذي تناقلته الصحف في يونيو الماضي سيف ذو حدين، وليس ذنباً محضاً. هدفه المعلن إبعاد شركات «الورق والختم» التي لا تملك مستودعاً ولا محطة ولا قدرة على الوفاء، وقد أقرّ منتقدو القرار أنفسهم بأنه أخرج مثل هذه الشركات وأن ثماني شركات فقط استوفت المعايير المالية والفنية. فإن كان الشرط قد أدى الغرض فهو موضع نقاش لا موضع ذم. وإن كانت له آثار جانبية كحصر المنافسة في عدد قليل، فهذا نقاش مشروع يحتاج إلى بيانات: كم كانت الكميات المستوردة قبل الشرط وبعده؟ وكم طلب ترخيص قُدّم، وكم قُبل، وما أسباب الرفض؟ ومن يملك هذه الأرقام فليتفضل بها، ومن لا يملكها فلا يحكم.
أما أن يقال إن القرار كان خمسين كيلوغراماً ثم صار مئتين «بعد الجلوس مع مافيا البترول»، وإن البنك «قبض» مئتي كيلو من كل شركة، فهذه رواية بلا تاريخ ولا محضر ولا اسم شاهد. ثم إن المنتقدين انفسهم يسمّونه «ضمان جدية»، والضمان، من حيث التسمية والغاية، ليس رسماً يُحصَّل ولا إيراداً يُقبض. وحين تُسمّى شركات وأشخاص بأعيانهم ويوصفون بالمافيا والخيانة العظمى، فالمطلوب فواتير وكميات مستوردة وكميات مسلَّمة وسجلات بيع، وإلا صار النقدُ تشهيراً. وتهريب الوقود إلى المليشيا، إن ثبت، مكانه البلاغات والتحقيقات والرقابة على الحدود والمخازن؛ والاتهام العام يحمي المهرِّب الحقيقي حين يُغرقه في الضجيج.
ثالثاً: ثقافة «السلة الواحدة»
تأمل مقالاً حديثاً جمع في سطور قليلة تراجعَ البنك عن قرارات تخص شركات الذهب، وانقطاع الكهرباء في منطقة بحري الصناعية، وأداء وزارتين ولجنة وولاية وخدمة مدنية، ثم خلص إلى حكم شامل: حكومة «ميتة» ومصرف «لا يعرف مقدراته» وبلاد مهددة بـ«الخراب الشامل». هنا ثلاث مغالطات متجاورة.
الأولى أن مراجعة القرار تُعدّ ضعفاً. والمعيار المقلوب هنا واضح: المؤسسة الرشيدة تُصدر قرارها وتقيس أثره، فإن تبين أنه يخالف مقصده، وخاصة في قطاع كالذهب وهو من أهم موارد البلاد من النقد الأجنبي، عدّلته. القرار الذي يبقى قائماً رغم ضرره عناد إداري لا قوة مؤسسية. ولا يستقيم أن تُطلب السرعة في كل شيء ثم تُدان حين تأتي في التصحيح.
والثانية الخلط بين الاختصاصات. البنك المركزي سلطة نقدية ومصرفية تنظّم وتشرف وترقب، ولا تدير توزيع الكهرباء ولا المناطق الصناعية. وتعطّل مرفق في جهة لا يثبت عجز جهة أخرى. وانقطاع تطبيق مصرفي بعينه شكوى مشروعة، لكن الخدمة يقدمها مصرف تجاري، والمركزي منظِّم ومشرف، والمطلب الأجدى هو تنويع قنوات الدفع وقابلية التشغيل البيني ومعايير الجودة وحماية العميل.
والثالثة أسئلة بلا أجوبة واتهامات بلا أسماء: «كم خسرت البلاد؟» تُلقى ثم تُترك. والاتهام الجماعي للموظفين يظلم من حافظ منهم على مرافق الدولة في ظروف قاسية، ويصعّب محاسبة من أخطأ فعلاً.
رابعاً: ليست غرفة عمليات، بل نمط
لا أملك دليلاً على أن هذه المقالات تخرج من غرفة واحدة، ولا أدّعي ذلك، فمن يدّعي ما لا يثبته يقع فيما ينتقده. لكن النمط واضح لمن يقرأ بتمعّن: صيغ مبهمة المصدر مثل «يتداول المتعاملون» و«مصادر ميدانية»، وخلط ملفات متباينة في مقال واحد، وأحكام مطلقة («مافيا»، «خيانة عظمى»، «موت»)، ومطالبات بالاستقالات والتغيير الجماعي بدل المحاسبة المحددة، وتوقيت يتزامن مع لحظات تكون فيها الثقة هي الرأسمال الوحيد: أيام اضطراب سعر الصرف، وإعلان سحب الطبعات القديمة وتحديد موعد نهائي لاستبدالها.
ولا يحتاج مثل هذا النمط إلى تنسيق ليؤدي أثر التنسيق. يكفي أن تتقاطع مصالح من يربح من الذعر في السوق الموازي، ومن يربح من تهريب الذهب والوقود، ومن يريد إضعاف الدولة في حرب تُشنّ عليها بالسلاح وبحملات التشكيك. وفي اقتصاد تتحول فيه التوقعات إلى حقائق بذاتها، فإن عبارة واحدة مثل «مصرف مركزي لا يعرف مقدراته» لا تبقى في صفحتها؛ تُقتطع وتُتداول، فيتحول المدّخر من الاحتفاظ بالجنيه إلى التخلص منه، ويقرر المصدّر إبقاء حصيلته خارج القنوات الرسمية. وقد رأينا قفزة بنحو 40% في ثلاثة أسابيع لا تفسرها أساسيات الاقتصاد وحدها، بل يفسرها الهلع. أثر الكلمة لا يقاس بنية صاحبها وحدها.
خامساً: ما نطلبه جميعاً، وما يجب أن يقدمه المركزي
من الإنصاف أن أقول إن في الحملة مطالب وجيهة أتفق معها: نشر الكميات المستوردة والموزعة ومسارها، ورقابة مستقلة تعلن نتائجها دورياً، ولجنة فنية محايدة لتقدير الحاجة الفعلية، وبحث الفصل بين الاستيراد والتوزيع. هذه أجندة إصلاح. أما الاستقالات الجماعية و«تطهير» الوزارات بالجملة فليست إصلاحاً، لأن الإصلاح حوكمة ومحاسبة بالدليل لا إقالات تُهدر الذاكرة المؤسسية في أسوأ التوقيتات.
وعلى البنك المركزي نفسه واجب لا ينبغي أن نتغافل عنه: أن يشرح قراراته قبل صدورها وبعدها، وأن ينشر بياناته في مواعيد ثابتة، وأن يقبل المساءلة بصدر رحب؛ فالقرار الذي يصدر بلا شرح يترك فراغاً تملؤه الشائعة، والشفافية أنجع علاج للتشكيك. وبالقدر نفسه على من ينتقده أن يلتزم قواعد النقد: واقعة محددة، ودليل، ونسبة المسؤولية إلى صاحبها، وحق الرد، وبديل قابل للتنفيذ، ومراعاة لأثر اللغة على الثقة العامة في ظرف استثنائي.
الدفاع عن المؤسسات لا يعني الدفاع عن كل قرار فيها، وإنما حماية الإطار الذي يتيح لنا أن نختلف ونصحح. وأخشى ما أخشاه أن نصل يوماً إلى جنيه بلا ثقة ومصرف بلا مصداقية، ثم نبحث عمّن نحمّله وزر ما صنعته ألسنتنا بأيدينا. فلتكن الأرقام قبل الأسماء، والمستندات قبل الأحكام.
بنك أمدرمان الوطني يعيد افتتاح فرعه بالمنطقة الصناعيةبالخرطوم
افتتح بنك أمدرمان الوطني فرعه بالمنطقة الصناعية في الخرطوم، في خطوة بارزة تعكس ريادة المؤ…





