‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. ٢٠١٨م بنسخة ٢٠٢٦م 
مقالات - ‫‫‫‏‫30 دقيقة مضت‬

السودان.. ٢٠١٨م بنسخة ٢٠٢٦م 

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> بعض الأزمات لا تعود لأنها لم تنتهِ؛ تعود لأننا لم نتعلم كيف نقرأ إشاراتها قبل أن تكبر.

 

قصة قصيرة بعنوان : «ذات الطرمبة».

بينما كان مواطنون يقفون في صفوف الوقود، فجأة هل عليهم مسؤولون فانصرفوا يهتفون بأعلى أصواتهم .. لا توجد أزمة وقود! يكبّرون ويهلّلون، ثم عادوا يرتبون انفسهم في الصف نفسه الذي كان طوله يقول شيئًا آخر.

 

قد يبدو المشهد طريفًا، لكنه يخفي سؤالًا خطيرًا ، ماذا يحدث عندما ينفصل ما يعيشه الناس عن الطريقة التي يصفون بها واقعهم؟

وتستحضرني رائعة الراحل المقيم الكابلي : مسؤول كبير زاير البلد قبال يهل قبال يصل لازم تقيفوا صفوف صفوف …

 

في ٢٠١٨م كانت تلك المشاهد جزءًا من يوميات السودان. واليوم، في ٢٠٢٦م، وبعد حرب طويلة بدّلت الاقتصاد والمجتمع والجغرافيا وحتى معنى الحياة اليومية، تطل بعض الملامح القديمة من جديد..

المواصلات تتعثر، والخطوط تتجزأ، وما كان رحلة واحدة يصبح رحلتين أو أكثر. وتعود صفوف الخبز أمام بعض المخابز. وتأتي “السنة” الدراسية الجديدة لتضع الأسرة السودانية أمام فاتورة أخرى، فوق فواتير الحرب والغذاء والتنقل.

 

> المشهد ليس هو نفسه… لكن مسار الأزمة بدأ يرسل إشارات تشبه إشارات عرفناها من قبل.

 

وهنا تكمن المسألة…

فالإنذار المبكر لا يبدأ عندما تصبح الأزمة صفًا أمام المخبز. يبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما تتراكم مؤشرات صغيرة لا تبدو خطيرة منفردة، لكنها تصبح شديدة الدلالة عندما تُقرأ معًا.

 

●ارتفاع تكلفة النقل.

●اضطراب الإمداد.

●تغيرات الاستيراد.

●ضغط الأسعار.

●اختلال بعض الأسواق.

●ثم انتقال الأثر إلى المواطن.

 

> كل واحدة قد تبدو حادثة منفردة. لكن مسار الأزمة لا يقرأ الحوادث منفردة؛ يقرأ اتجاهها.

 

وهنا تظهر ظاهرة نسميها عبر #أصل_القضية، مجازًا، «متلازمة ذات القرارات»..

قرارات متتابعة تتعلق بالاستيراد والسلع والأسواق من الفول المصري إلى لبن البدرة والفواكه وغيرها. ولكل قرار مبرراته بالضرورة، لكن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق بقرار واحد هل نرى هذه القرارات كأجزاء من منظومة اقتصادية واحدة، أم كاستجابات منفصلة لأعراض متفرقة؟

> في زمن الحرب، لا يوجد قرار اقتصادي معزول.

 

قرار في الاستيراد قد يتحرك معه سعر الصرف.

وسعر الصرف يتحرك معه السعر.

والسعر يتحرك معه دخل الأسرة.

ودخل الأسرة يتحرك معه التعليم والنقل والغذاء.

ثم يتحول الضغط الاقتصادي إلى سلوك اجتماعي.

 

وهكذا ينتقل الأثر من القرار إلى السوق، ومن السوق إلى المواطن.

 

> هذه هي هندسة مسار الأزمة.

 

والمشكلة ليست أن الدولة تتخذ قرارات؛ بل أن القرار الذي لا يُقرأ داخل مسار الأزمة قد يعالج نقطة، بينما يدفع المشكلة إلى نقطة أخرى.

 

المواطن لا يرى الوزارات منفصلة.

هو يرى صباحًا واحدًا يبدأ بالمواصلات، ويمر بالسوق، وينتهي بحساب تكلفة الطعام والتعليم والدواء.

 

لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس هل عادت أزمة ٢٠١٨م؟

 

> السؤال: هل عادت بعض إشارات ٢٠١٨م لأننا لم نطوّر بعد نظامًا يلتقط الإشارة قبل أن تتحول إلى صف؟

 

وهنا يصبح الفرق بين إدارة الأزمة والإنذار المبكر واضحًا.

 

●إدارة الأزمة تسأل: كيف نحل الصف؟

 

●أما الإنذار المبكر فيسأل قبل الصف: لماذا بدأ الناس يتجهون إليه أصلًا؟

 

> وهذه النقلة هي التي يحتاجها السودان.

 

فالحرب قد تفسر كثيرًا من الاختناقات، لكنها لا ينبغي أن تصبح تفسيرًا جاهزًا لكل شيء. لأن الدولة التي تعتاد تفسير الأعراض بالحرب قد تفقد قدرتها على التمييز بين ما هو أثر للحرب، وما هو خلل قابل للعلاج، وما هو مؤشر على أزمة قادمة.

 

نحن لا نحتاج إلى أن نرى ٢٠١٨م مرة أخرى حتى نصدق أن بعض إشاراتها عادت.

 

يكفي أن نقرأ الطوابير، والمواصلات، والأسعار، والقرارات، وسلوك السوق كإشارات مبكرة لمسار واحد.

 

فإذا كان ٢٠١٨م قد علّمنا كيف تبدو الأزمة عندما تصل، فإن ٢٠٢٦م يجب أن يعلّمنا كيف نراها وهي في الطريق.

 

وهنا المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها..

> أخطر إنذار مبكر ليس أن يعود الصف… بل أن نراه، ثم نختلف في تفسيره، ثم ننتظر حتى يطول، ثم نسميه أزمة.

 

فالسؤال لم يعد ، هل يمكن أن تعود الأزمة؟ ، بل، هل نحن نرى إشارات عودتها قبل أن تكتمل؟

وبالسوداني البسيط الذي لا يحتاج إلى فلسفة وترجمة…

> هل نحن قاب قوسين أو أدنى من «تسقط بس» تاني؟

إذا كان الجواب نعم، فالمشكلة ليست أن ٢٠١٨م عاد في ٢٠٢٦م؛ المشكلة أننا امتلكنا ثماني سنوات كاملة ، فقط لتقول اليوم ها قد عاد ثانية.

وهنا بالضبط #أصل_القضية.

‫شاهد أيضًا‬

بنك الخرطوم يطلق خدمة جديدة مجانية 

اطلب #1913* من MTN بدون إنترنت.. سجل بالخدمة بكل سهولة وحول بكل يسر.   اعلن بنك الخرط…