واشنطن تعود إلى الخرطوم من بوابة السيادة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

لم يكن ما تفوه به كبير مستشاري البيت الأبيض مسعد بولس مجرد هفوة لسان أو تحية دبلوماسية عابرة تُقال على هامش المؤتمرات، بل كان شهادة سقوط مدوية لرهان استراتيجي كامل، وإعلان إفلاس لمشروع طويل حاولت واشنطن عبره القفز فوق حقائق الجغرافيا والتاريخ.
إن اعتراف الإدارة الأمريكية اليوم بسيادة الدولة السودانية، ورغبتها في التعامل المباشر مع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة كرأس للشرعية الوطنية، ليس منحة متفضلة تجود بها واشنطن على الخرطوم، بل هو اعتراف قسري انتزعه صمود البنادق في الميدان وثبات القرار في القيادة. أمريكا لم تمنحنا الشرعية، فشرعيتنا لم تستمد يوماً من ختم البيت الأبيض، بل اضطرت أخيراً أن تنحني أمام شرعية فرضها الدم السوداني والتفاف الشعب حول جيشه ومؤسساته.
لقد راهن المجتمع الدولي طويلاً على فرضية الدولة الفاشلة، وعلى إمكانية تفتيت المؤسسة العسكرية الوطنية ومساواتها بمليشيا متمردة، في محاولة لإعادة هندسة السودان وفق مصالح خارجية. غير أن ما جرى على الأرض قلب كل الحسابات. صمود القوات المسلحة السودانية، رغم ضراوة الحرب وتشابك المؤامرات، والتفاف الشعب السوداني العظيم حول جيشه ومؤسساته، أثبت أن الدولة السودانية عصية على الكسر، وأن إرادة الشعوب حين تلتحم بجيشها لا يمكن أن تهزمها بيانات الإدانة ولا ضغوط العواصم.
لقد أدركت واشنطن، بعد عامين من التخبط، أن وضع الجيش الوطني والمليشيا المتمردة في كفة واحدة لم يكن حياداً كما ادعت، بل كان وقوداً لإطالة أمد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية. لا يمكن إيصال الإغاثة، ولا فرض أي ترتيبات أمنية، ولا الحديث عن أي مسار سياسي دون المرور عبر بوابة الدولة الشرعية وجيشها الوطني. هذه هي الواقعية العملية التي أجبرت الإدارة الأمريكية على التراجع عن أطروحاتها السابقة، والتعاطي مع الخرطوم كعاصمة لدولة ذات سيادة لا كملف إنساني يُدار من الخارج.
غير أن هذا التحول، على أهميته التاريخية، يجب أن يُقرأ بعين الحذر الاستراتيجي لا بعين الاحتفال الساذج. الموقف الأمريكي لم يتحول إلى قناعة مبدئية بسيادة السودان، بل هو مرونة تكتيكية فرضتها موازين القوى. واشنطن لا تعترف بالسيادة حباً فيها، بل لأنها أدركت أن تجاوزها مستحيل. والسياسة الأمريكية تاريخياً تجيد التراجع خطوة إلى الوراء لتمهيد قفزتين إلى الأمام. لذا فإن المطلوب من القيادة السودانية ليس الانبهار بالإشادات الشفهية التي يطلقها مسعد بولس، بل استثمارها كأوراق تفاوضية لانتزاع المزيد من الاعتراف بلا ثمن سيادي.
إن القيادة السودانية تعلم جيداً، كما يقول المثل السوداني الحكيم “اليتيم ما بوصوهو على البكاء”، أن السيادة لا تُهدى ولا تُستجدى، بل تُنتزع انتزاعاً بالثبات. وما حدث هو ثمرة طبيعية لموقف وطني لم يساوم ولم ينكسر أمام الضغوط والابتزاز.
إن المرحلة القادمة هي الأخطر والأدق. فبعد أن أجبرنا العالم على الاعتراف بسيادتنا، يأتي دور تثبيت أركان هذه السيادة. لا تفريط في القرار الوطني، ولا مساومة ولاتراجع، ولا قبول بأي وصاية دولية مقنعة بشعارات المدنية والسلام. الدولة التي صمدت في أحلك الظروف قادرة على أن تفرض شروطها في وضح النهار.
meehad74@gmail.com
قبول الآخر… علمتنا الفنون أن الاختلاف يصنع الجمال
في الفنون الجميلة ، نتعلم منذ اللحظة الأولى أن الجمال لا يأتي من التشابه . نتعلم أن اللوحة…





