‫الرئيسية‬ مقالات قبول الآخر… علمتنا الفنون أن الاختلاف يصنع الجمال
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ثواني مضت‬

قبول الآخر… علمتنا الفنون أن الاختلاف يصنع الجمال

محمد فتح الرحمن بشير

في الفنون الجميلة ، نتعلم منذ اللحظة الأولى أن الجمال لا يأتي من التشابه .

نتعلم أن اللوحة التي تتكون من لون واحد ، وخط واحد ، واتجاه واحد ، ومساحة واحدة ، قد تكون صحيحة من الناحية التقنية ، لكنها غالبا تفتقد الحياة .

الجمال الحقيقي يبدأ عندما تدخل العناصر المختلفة في علاقة ذكية مع بعضها .

لون دافئ بجوار لون بارد ، خط مستقيم بجوار منحنى ، مساحة مضيئة بجوار أخرى مظلللة ، كتلة كبيرة تقابلها كتلة صغيرة ، وعنصر واضح تترك حوله مساحة صامتة تمنحه فرصة للتنفس والانسجام .

لم نتعلم في الفن أن نجعل كل شيء متشابها .

تعلمنا أن نصنع التوازن من الاختلاف .

وهنا، كلما تأملت علاقتنا بالآخر ، شعرت أن الحياة نفسها لوحة كبيرة ، وأننا كثيرا ما نرتكب خطأ الفنان المبتدئ … نحاول أن نجعل كل العناصر متشابهة حتى نشعر أن اللوحة أصبحت (مرتبة) .

لكنها في الحقيقة تصبح ميتة.

فالاختلاف ليس عيبا في التكوين.

الاختلاف هو الذي يصنع التكوين.

في الفن ، لا ترتفع قيمة اللون وحده بقدر ما تظهر قيمته من علاقته بالألوان الأخرى.

والإنسان كذلك …..

قد لا أعرف قيمة تجربتي إلا حين ألتقي بتجربة مختلفة عنها. وقد لا أفهم أفكاري جيدا إلا عندما أسمع فكرة تناقضها… وقد لا أكتشف ضيق رؤيتي إلا عندما أرى العالم من منظور شخص آخر.

في دراستنا للرسم والتكوين ، تعلمنا أن التباين ليس خصومة…

فالأسود يحتاج إلى الأبيض كي يظهر ، والظل يحتاج إلى الضوء ، واللون المكمل لا يقتل اللون الآخر، بل يجعله أكثر حضورا …

وكذلك البشر.

ليس مطلوبا أن ألغي اختلافك حتى أثبت وجودي….

أحيانا يكون اختلافك هو الذي يجعل صوتي أوضح ، ورؤيتي أعمق ، وتجربتي أكثر اكتمالا….

وتعلمنا من المنظور درسا أكثر إنسانية مما يبدو..

الجسم نفسه يتغير في الرسم بحسب زاوية النظر .

ما يبدو كبيرا من مكان ، قد يبدو صغيرا من مكان آخر …

والخط الذي يبدو صاعدا من زاوية ، قد يبدو مستقيما من زاوية مختلفة …

فهل يعني ذلك أن إحدى الزوايا تكذب ؟

ليس بالضرورة …

فهنا فقط ترى جزءا مختلفا من المشهد.

وهكذا الإنسان ….

قد نختلف لأن كل واحد منا يقف في مكان مختلف من الحياة ….

أنت ترى المشهد من تجربتك ، وأنا أراه من تجربتي …

والحكمة ليست أن أجبرك على الوقوف في مكاني ، بل أن أحاول أحيانا أن أغيّر زاوية النظر …

وفي فن التكوين ، هناك مفهوم أساسي ..هو التوازن . .

فالتوازن لا يعني أن تكون كل العناصر متساوية ….

قد تكون هناك كتلة ضخمة في أحد أطراف اللوحة ، ويوازنها عنصر صغير في الطرف الآخر بسبب لونه أو موقعه أو قوته البصرية …

أي أن العدالة (البصرية) ليست دائما في المساواة الحسابية ، بل في فهم العلاقات.

وهذا درس يصلح للحياة أيضا …

ليس علينا أن نعطي الجميع المساحة نفسها، ولكن علينا أن نعطي الإنسان حقه في الكرامة …

وفي الفن، نتعلم قيمة المساحة السلبية .. تلك المساحات التي تبدو للوهلة الأولى فارغة ، لكنها في الحقيقة ضرورية حتى يظهر العنصر الرئيسي ويتنفس …

وفي العلاقات الإنسانية، ربما نحتاج إلى شيء مشابه .. وهو ..

أن نترك للآخر مساحة.

مساحة للصمت .

مساحة للتفكير والتعبير .

ومساحة للخطأ .

ومساحة لأن يكون مختلفا دون أن نلاحقه كل لحظة كي نشرح له لماذا يجب أن يشبهنا ….

وهنا .. حتى الخطأ في الفن يمكن أن يتحول أحيانا إلى جزء من جمال العمل.

فضربة فرشاة غير متوقعة ، أو أثر لون ، أو ملمس عفوي ، قد يمنح اللوحة روحا لا يمكن تخطيطها مسبقا .

وهكذا البشر.

ليس كل ما في الإنسان يحتاج إلى الكمال حتى يكون جديرا بالاحترام …

ربما أجمل ما فينا تلك التشققات والاثار الصغيرة التي تخبرنا أننا مررنا من هنا ، وعشنا ، وأخطأنا ، وتعلمنا ….

قبول الآخر لا يعني أن نتفق معه….

كما أن الفنان لا يحتاج إلى أن يحب كل لون في اللوحة حتى يفهم وظيفته.

قد أرفض فكرتك ، وأناقش موقفك ، وأختلف مع ذوقك ، لكنني لا أحتاج بسبب ذلك إلى إلغاء إنسانيتك …

الفن علّمنا أن نرى الأشياء قبل أن نحكم عليهاا …

أن نقترب من التفاصيل .

أن نلاحظ الضوء والظل .

أن نسأل: لماذا وضع الفنان هذا العنصر هنا ؟ ولما اختار هذا اللون ؟ ولماذا ترك هذه المساحة فارغة..؟

.. ربما نحتاج إلى أن نفعل الشيء نفسه مع البشر .

قبل أن نحكم على شخص

ما الذي رآه ولم أره ؟

ما الذي عاشه ولم أعشه ؟

ومن أي زاوية ينظر ؟

هنا يصبح قبول الآخر ليس مجاملة اجتماعية ، بل ممارسة فنية وإنسانية …

فكما أن الفنان الحقيقي لا يخاف من اللون المختلف ، ولا يخشى الخط غير المألوف ، ولا يحاول تحويل كل العناصر إلى نسخة واحدة .. فإن الإنسان الناضج لا يخاف من المختلف …

والأهم من ذلك كله ..

يعرف أن الانسجام لا يعني اختفاء الاختلاف …

بل يعني أن نتعلم كيف نجعل الاختلاف جزءا من الجمال ..

لذلك ، ربما كانت واحدة من أجمل الدروس التي يمكن أن نخرج بها من الفنون الجميلة إلى الحياة …

لا تمحُ اللون المختلف من لوحتك… تعلّم فقط كيف تجعله ينسجم معها.

فالعالم لا يحتاج إلى لوحة بلون واحد …

إنه يحتاج إلى من يعرفون كيف يصنعون من اختلاف الألوان… جمالا …

‫شاهد أيضًا‬

صحيفة الغارديان…. حرمان وفود من التأشيرات.. هل أصبحت الأمم المتحدة أداة في صراع المصالح؟

رأت الكاتبة البريطانية نسرين مالك، في مقالها بصحيفة الغارديان 1 أكتوبر ، أن إدارة الرئيس ا…