السودان.. تشكيل المجال السكاني وإعادة توزيع النفوذ
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> ليست كل الحروب معارك على الأرض؛ بعضها معارك على ما سيبقى فوق الأرض، ومن سيعيش عليها، ومن سيمتلك القدرة على العودة إليها بعد أن تصمت المدافع.
في السودان، منذ أبريل ٢٠٢٣م، لم تتغير خرائط السيطرة العسكرية وحدها، بل تغيرت معها خرائط الوجود السكاني. غادر الملايين منازلهم ومناطقهم، وأُفرغت أحياء واسعة من سكانها، واستقبلت ولايات أخرى موجات متلاحقة من النازحين. وفي دارفور، أضافت التطورات العسكرية، ومنها سقوط الفاشر، موجات نزوح جديدة إلى مشهد إنساني تتجاوز آثاره حدود المدن التي شهدت القتال.
لكن ماذا لو قرأنا هذه التحولات باعتبارها أكثر من نتائج إنسانية للحرب؟ ماذا لو نظرنا إلى ما يحدث للسكان بوصفه عاملًا قد يؤثر في توزيع القوة والنفوذ، وفي مستقبل العلاقة بين الإنسان والمكان والدولة؟
هنا تبدأ #أصل_القضية ..
فالأرض ليست مجرد مساحة تتنازعها القوات إنها مجال سكاني واقتصادي واجتماعي، تتشكل داخله المصالح، وتُصان فيه الحقوق، وتتوزع عبره مصادر النفوذ.
*من السيطرة على الأرض إلى تشكيل المجال السكاني*
في القراءة العسكرية، يُقاس التقدم بمساحة السيطرة، وتُقاس الخسارة بفقدان المواقع. لكن هذه القراءة، على أهميتها، لا تكفي لفهم جميع التحولات التي تتركها الحرب.
فحين يغادر السكان مناطقهم تحت ضغط القتال أو انعدام الأمن، لا تنتقل أجسادهم وحدها تنتقل معهم أنشطتهم الاقتصادية، وشبكات علاقاتهم، وقدرتهم على المشاركة في إدارة مجتمعاتهم. وفي المقابل، تتحمل المناطق المستقبلة أعباء سكانية وخدمية واقتصادية جديدة. غير أن الأثر الأعمق قد يظهر لاحقًا، حين يحاول النازحون العودة.
هل يجدون منازلهم قائمة؟ هل يستطيعون استعادة ممتلكاتهم؟ هل تتوافر الخدمات والأمن وسبل العيش؟ وهل تسمح الظروف لهم باستئناف حياتهم، أم تتحول العودة إلى حق مؤجل بفعل الخوف أو الفقر أو تعقيدات الملكية والسيطرة؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلًا إنسانيًا خارج الحسابات الاستراتيجية إنها جزء من مستقبل المجال الذي تدور عليه الحرب.
فقد تنتهي السيطرة العسكرية على منطقة، بينما تستمر آثارها الاجتماعية والاقتصادية سنوات طويلة. وقد يعود بعض السكان سريعًا، فيما يعجز آخرون عن العودة، فتتغير أنماط الاستقرار وتوزيع الموارد والعلاقات داخل المنطقة.
ومن هنا، لا يكفي أن نسأل من يسيطر على الأرض الآن؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا من يستطيع البقاء عليها، ومن يستطيع العودة إليها، وما الذي يحدث عندما تطول المسافة بين الإنسان ومكانه؟
*المفهوم الذي نطرحه عبر مدرسة الجسر والمورد*
عبر هذه الزاوية، نطرح مفهومًا تحليليًا نسميه:
> إعادة تشكيل المجال السكاني بوصفها مسارًا لإعادة توزيع النفوذ.
ونقصد به دراسة الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها التحولات في توزع السكان، والقدرة على البقاء والعودة، والوصول إلى الأرض والموارد، إلى تغيير موازين التأثير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي داخل منطقة ما.
هذا المفهوم لا يفترض أن كل نزوح يجري وفق خطة مسبقة، ولا أن كل تغير سكاني يمثل مشروعًا لتغيير التركيبة الديمغرافية. بل يميز بين النزوح الذي تفرضه ظروف الحرب، والآثار السكانية التي قد تستمر بعده، والحالات التي تتوافر فيها أدلة على استهداف متعمد لتغيير التركيبة السكانية أو منع جماعة من العودة إلى موطنها.
> والتمييز هنا جوهري لأن النتيجة قد تكون استراتيجية في آثارها، من دون أن يكون كل ما أدى إليها جزءًا من استراتيجية واحدة معلنة أو مثبتة.
ولفهم هذا المسار، نحتاج إلى تتبع ثلاث حلقات مترابطة..
● السيطرة على المجال
● حركة السكان وقدرتهم على العودة.
● التحولات التي قد تصيب توزيع الموارد والنفوذ.
وبين هذه الحلقات تتدخل عوامل الأمن والملكية والخدمات والاقتصاد والسياسات العامة، فتحدد ما إذا كان النزوح سيظل مؤقتًا أم سيتحول إلى واقع طويل الأمد.
وهكذا، لا يصبح السكان مجرد ضحايا يتحركون على هامش الصراع، بل عنصرًا أساسيًا في فهم التحولات التي قد يعيد الصراع إنتاجها داخل المجتمع والدولة.
*الخرطوم.. حين تصبح العودة اختبارًا للسيادة*
تكشف الخرطوم جانبًا مهمًا من هذه المعادلة. فقد شهدت العاصمة نزوحًا واسعًا، وتضررت مساكن ومرافق ومؤسسات، وتفككت شبكات للعمل والتعليم والخدمات. ومع عودة أعداد من المواطنين أو تجدد الدعوات إلى العودة، يبرز سؤال يتجاوز استئناف الحياة اليومية
> ما الشروط التي تجعل العودة استعادة حقيقية للمكان؟
فالعودة ليست مجرد عبور إلى داخل المدينة إنها استعادة للحق في السكن، وإمكان الوصول إلى الخدمات، والقدرة على العمل، وحماية الممتلكات، والشعور بالأمان.
وقد تتحول العودة إلى مؤشر على تعافي الدولة إذا اقترنت باستعادة المؤسسات والخدمات وضمان الحقوق. أما إذا عاد بعض السكان وبقي آخرون عاجزين عن الرجوع بسبب انعدام الأمن أو فقدان الممتلكات أو غياب سبل العيش، فإن التعافي يظل متفاوتًا، وتظل آثار الحرب موزعة بصورة غير متكافئة بين المواطنين.
كما أن تكرار الدعوات إلى العودة لا يثبت وحده وجود مخطط لتغيير ديمغرافية العاصمة؛ لكنه يضعنا أمام سؤال عملي: هل أصبحت العودة ممكنة فعلًا، وبأي شروط، ولمن؟
فالسيادة لا تُختبر فقط بقدرة الدولة على استعادة السيطرة على العاصمة، بل كذلك بقدرتها على حماية حق مواطنيها في السكن والعودة واستعادة حياتهم من دون إكراه أو تمييز.
*الفاشر.. حين تتجاوز آثار المعركة حدودها*
وفي دارفور، تكشف موجات النزوح التي أعقبت سقوط الفاشر عن امتداد أثر المعركة إلى المناطق التي تستقبل الفارين من القتال.
فالمدينة التي تفقد سكانها تحت ضغط الحرب لا تترك وراءها فراغًا سكانيًا فحسب إذ قد يتراجع نشاطها الاقتصادي وتتضرر شبكاتها الاجتماعية، وتتأثر قدرة مؤسساتها المحلية على استئناف وظائفها. وفي المناطق المستقبلة، تتزايد الاحتياجات إلى المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، وقد تتعرض الموارد المحدودة لضغوط إضافية.
لكن المسألة الاستراتيجية الأبعد تتعلق بما سيحدث بعد النزوح..
> هل يتمكن السكان من العودة الآمنة والطوعية؟ هل تُحمى حقوقهم في الأرض والمساكن؟ وهل تتوافر الضمانات التي تحول دون استغلال غيابهم للاستيلاء على ممتلكاتهم أو إقصائهم من مناطقهم؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة عندما تترافق حركة السكان مع انتهاكات أو ممارسات تمنع العودة أو تستهدف جماعات بعينها. ففي مثل هذه الحالات، ينبغي فحص الوقائع والأدلة لتحديد ما إذا كنا أمام نتائج ممتدة للحرب، أم أمام ممارسات ترقى إلى التهجير القسري أو التغيير الديمغرافي المتعمد.
ولا يجوز القفز إلى الاستنتاج قبل التحقق، لكن لا يجوز أيضًا إغفال النتائج طويلة الأمد لمجرد أن القصد المتعمد لم يُثبت بعد.
فقد تنتهي المعركة في مدينة، بينما يستمر أثرها في جغرافيا النزوح، وفي موارد المناطق المستقبلة، وفي قدرة السكان على استعادة أماكنهم.
*من المجال السكاني إلى معادلة الدولة*
هنا تتصل الفكرة بمفهوم آخر في مشروع الجسر والمورد: «التفريغ الصامت للدولة».
فحين تتراجع قدرة المؤسسات على حماية السكان وممتلكاتهم، أو تتعطل الخدمات، أو يعجز المواطنون عن العودة إلى مناطقهم، فإن الفراغ لا يكون ماديًا فقط بل قد يمتد إلى الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي تمنح المكان استقراره.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين تراجع حضور الدولة والتغير السكاني، فهما مساران مختلفان قد يتقاطعان. وقد يؤدي اجتماعهما، في ظروف معينة، إلى إضعاف قدرة المجتمعات على استعادة حياتها، وإلى نشوء ترتيبات جديدة حول الموارد والملكية والنفوذ المحلي.
وهنا يصبح واجب الدولة أكبر من استعادة المواقع التي فقدتها. إنه يشمل تهيئة شروط العودة الطوعية والآمنة، وحماية الممتلكات، وإزالة العوائق أمام استعادة سبل العيش، وضمان عدم التمييز بين المواطنين، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات في مناطق النزوح والعودة على السواء.
فإذا كانت الحرب قد أعادت توزيع السكان قسرًا، فإن السلام ينبغي ألا يترك نتائج هذا التوزيع تتحول إلى حرمان دائم من الحقوق.
#أصل_القضية،،،
> في الحروب، قد تكون السيطرة على الأرض حدثًا عسكريًا، لكن استعادة المجتمع لمكانه عملية أطول وأعقد. وبين الحدث والنتيجة، تتحدد قدرة الدولة على حماية الإنسان من أن يتحول نزوحه المؤقت إلى إقصاء دائم.
ومن هنا، فإن السؤال الذي نطرحه عبر رؤية الجسر والمورد ليس فقط من كسب الأرض؟ بل ما الذي حدث للمجتمع الذي كان يعيش عليها، وما الشروط التي تضمن عودته ومشاركته في بنائها من جديد؟
فحين يتغير توزيع السكان، قد تتغير معه خريطة النفوذ وحين تتعذر العودة، قد تتحول آثار الحرب إلى واقع يعيد تشكيل المستقبل.
ليست كل حركة للسكان مشروعًا سياسيًا، وليست كل نتيجة ديمغرافية دليلًا على قصد متعمد. لكن الدولة التي لا ترصد التحولات السكانية، ولا تحمي حق العودة والملكية، ولا تعالج آثار النزوح، قد تجد نفسها أمام واقع جديد لم تختره، لكنه يفرض عليها تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
هيثم محمود يكتب: مالك عقار حديث الصراحة والوضوح
كنت ومازلت عند قناعتي بأن مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة اعقل سياسي سوداني على دفة قيادة…





