‫الرئيسية‬ مقالات لاتسمحوا للفتنة بأن ترث الحرب 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

لاتسمحوا للفتنة بأن ترث الحرب 

همسة وطنية   دكتور طارق عشيري   

لم يمر يوم الا ونحن امام امتحان جديد لهذا الشعب الصابر وهو يعيش هذه الايام ظروف اقتصادية صعبة قد تجد الدولة لها الحلول المناسبة و قد( تتوقف المدافع)، وقد( تهدأ) أصوات( الرصاص)، وقد (تبدأ) المدن في استعادة( عافيتها)، ولكن يبقى السؤال الأخطر: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أننا نقترب من حرب أخرى لا تستخدم فيها البنادق، بل تُستخدم فيها الكلمات، وتُشعلها الكراهية، وتغذيها الشائعات، وتدفع ثمنها وحدة السودان وسلامة مجتمعه؟

إن الفتنة هي الحرب القادمة إذا لم (ننتبه)، وإذا (تركنا) خطاب (الكراهية) يتسلل إلى( مجتمعنا)، وإذا( سمحنا) للخلافات السياسية والجهوية والقبلية بأن تتحول إلى (حواجز) بين أبناء الوطن الواحد.

إن أخطر ما تتركه الحروب ليس( الدمار الذي تصنعه في المباني)، بل (الدمار الذي تتركه في النفوس والعقول) والعلاقات بين الناس.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من دماء أبنائه وأمنه واستقراره، ولا يجوز أن (نسمح للفتنة) بأن تكمل ما بدأته الحرب. فليس من المنطق أن ننجو من رصاص البنادق لنقع أسرى للغة التحريض والتخوين والانتقام، وليس من الحكمة أن نطالب بإعادة إعمار الوطن بينما نشارك، بقصد أو بغير قصد، في هدم نسيجه الاجتماعي.

إن المرحلة القادمة تتطلب وعياً وطنياً يتجاوز الانفعالات، وخطاباً مسؤولاً يضع مصلحة السودان فوق المصالح الضيقة. فالكلمة التي( تطفئ نار الفتنة) قد تنقذ مجتمعاً بأكمله، والكلمة (التي تشعلها) قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

وهنا يأتي( دور) النخب السياسية والإعلامية والمجتمعية والدينية؛ فالمسؤولية ليست في( تسجيل) المواقف أو (كسب) المعارك الكلامية، وإنما في( حماية) المجتمع من الانزلاق إلى صراعات جديدة. وعلى (الإعلام) أن يدرك أن( الإثارة) ليست بديلاً عن( المهنية)، وأن حرية( التعبير) لا تعني (منح) الكراهية حق (تدمير) المجتمع.

كما أن على القوى السياسية أن (تتعلم )من دروس الحرب، وأن تدرك أن( الاختلاف) لا يعني( العداوة)، وأن (الخصومة) السياسية لا( تبرر) التحريض، وأن الوطن أكبر من أي حزب أو جماعة أو قبيلة أو تيار فكري.

السودان لا يحتاج إلى (انتصار) على (العدو )في الميدان فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى( انتصار) على (الكراهية)في النفوس، وعلى (التعصب) في العقول، وعلى( ثقافة) الانتقام في المجتمع.

إننا بحاجة إلى مصالحة( وطنية)حقيقية، لا تقوم على (النسيان) القسري أو( تجاوز) الحقوق، بل على العدالة والمحاسبة وجبر الضرر، وبناء (الثقة) بين السودانيين، ورفض (العقاب )الجماعي، وعدم تحميل المجتمعات بأكملها مسؤولية أفعال الأفراد والجماعات المسلحة.

فالعدالة تحمي( السلام)، والوعي( يحاصر) الفتنة، و(الحوار) يفتح الطريق أمام (تجاوز) الخلافات، أما الصمت أمام خطاب الكراهية فقد يجعل المجتمع يدفع ثمناً أكبر مما يتصور.

لا تسمحوا للفتنة بأن ترث الحرب!

في الهمسة الوطنية، نقولها بوضوح: إن الحرب القادمة التي يجب أن نخاف منها ليست بالضرورة حرباً تبدأ بإطلاق الرصاص، بل قد (تبدأ) بمنشور( يحرض)، و(تصريح) يقسم، و(شائعة) تزرع الشك، و(موقف) يحول الاختلاف إلى عداوة.

فلنحذر من (صناعة أعداء جدد) داخل وطن أنهكته الحرب، ولنرفض أن تتحول( جراحنا) إلى وقود لصراعات لا تنتهي.

لقد آن الأوان أن نتعلم من الحرب قبل أن نتعلم من الفتنة، وأن نحمي السودان من (نار) قد تبدأ بالكلمات، لكنها قد تنتهي( بدماء) جديدة.

فالسودان وطن يسع الجميع، ولن( تبنيه) الكراهية، ولن (تحميه) العصبية، ولن( تنهض) به تصفية الحسابات. إنما ينهض بوحدة أبنائه، وعدالة دولته، وحكمة قياداته، ووعي شعبه.

لا تجعلوا( الفتنة)هي الحرب القادمة… اجعلوا( الوعي) سلاحكم، و(الوحدة) حصنكم، والسودان( غايتكم) التي لا تتقدم عليها غاية وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل

‫شاهد أيضًا‬

صدور كتاب «أثر لا يغيب» لأسامة رقيعة عن دار الراصد بالقاهرة

صدر حديثًا عن دار الراصد للنشر والترجمة والتوزيع بالقاهرة كتاب «أثر لا يغيب» للكاتب أسامة …