مقابر العبيداب بحلفاية الملوك… عطاءٌ يُروى به الظّمأ ، وأيادٍ بيضاء تكتب فصول الوفاء . ونداءٌ عاجل لإدارة الكهرباء .
عبد الكريم ابراهيم

في ميادين الخير ، لا تُقاس عظمة الأعمال بحجم ما يُبذل فيها فحسب ، وإنما بصدق النوايا ، ونُبل المقاصد ، وتلك الأيادي البيضاء التي تمتد بالعطاء في صمت ، ابتغاء مرضاة الله ، دون انتظار ثناء أو طلب شهرة ، ومن هذا المعنى النبيل ، تشرق اليوم صفحة مضيئة من صفحات التكافل والتراحم بمقابر العبيداب بحلفاية الملوك ، بعد أن تكللت الجهود ، بفضل الله وتوفيقه ، بإكمال مشروع سقيا المقابر ، في خطوة مباركة تمثل ثمرةً لتضافر الجهود وتلاقي القلوب على فعل الخير .
لقد ظل مشروع سقيا المقابر حاجةً ملحّة ، تمليها الضرورة وتفرضها متطلبات تهيئة المكان وخدمة مرتاديه ، حتى قيّض الله له رجالًا ونساءً من أهل الخير ، آمنوا بأهمية هذا العمل ، فهبّوا للمساهمة فيه ، كلٌّ بما استطاع ، حتى اكتملت مراحله الأساسية ، وشمل المشروع صهريج المياه والمقعد الخاص به ، والموتور ، والأزيار المخصصة للسبيل ، والوضايات ، وغيرها من الاحتياجات التي تجعل المياه متاحةً وتعين على قضاء الحاجات المرتبطة بالمكان .
وإزاء هذا الإنجاز المبارك ، فإن أصدق ما يمكن أن نقدمه لكل من أسهم فيه هو كلمة شكر تخرج من القلب ، ودعوة صادقة نرفعها إلى السماء ، بأن يجزي الله أهل العطاء خير الجزاء ، وأن يجعل ما قدموه في موازين حسناتهم ، وأن يبارك لهم في أموالهم وأعمارهم وأهليهم ، وأن يخلف عليهم أضعاف ما أنفقوا وبذلوا .
لقد تفاوتت أوجه العطاء ، ولكنها التقت جميعًا عند غاية واحدة ، فمنهم من جاد بماله ، ومنهم من بذل جهده ووقته ، ومنهم من سخّر معداته وآلياته ، ومنهم من أسهم بفكره ورأيه ، ومنهم من كان حضوره ومتابعته ودعمه المعنوي عونًا على إنجاز المشروع ، وهكذا تتكامل الأدوار ، وتتلاقى النوايا ، وتُصنع الإنجازات التي تبقى آثارها شاهدةً على نُبل أصحابها .
وقد عمدنا إلى عدم ذكر أسماء المساهمين في هذا المقام ، لا تقليلًا من شأن أحد ، ولا غفلةً عن فضل أحد ، وإنما تقديرًا لخصوصية البعض الذين لا يرغبون في ذكر أسمائهم أو إعلان عطائهم ، وخشية أن يغيب عنا ، سهوًا أو نسيانًا ، اسمٌ ممن أسهموا في هذا العمل المبارك ، فآثرنا أن يكون الشكر شاملًا ، والوفاء جامعًا ، دون أن نُغفل حق أحد أو نختزل فضل الآخرين في أسماء قد لا تسعفنا الذاكرة باستحضارها جميعًا .
أما الحقيقة التي نوقن بها ، فهي أن كل يد امتدت بالعطاء ، وكل قلب حمل همّ هذا المشروع ، وكل جهد بُذل في سبيل إنجازه ، محفور في قلوبنا ، محفوظ في وجداننا ، ولا يضيع عند رب العالمين الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عن علمه معروف ، ولا يضيع عنده أجر المحسنين ، فإن غابت الأسماء عن سطور هذا المقال ، فلن تغيب عن ذاكرة الوفاء ، ولن يضيع أجرها عند من لا ينسى ولا يظلم أحدًا ، فهو سبحانه الذي يتولى الجزاء ، ويوفي المحسنين أجورهم بغير حساب .
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، وعليه ، فإننا نتقدم إلى كل من أسهم في هذا المشروع بخالص الشكر وعظيم الامتنان ، سائلين الله أن يجعل عطاءهم نورًا في صحائف أعمالهم ، وأن يكتب لهم الأجر والثواب ، وأن يجعل ما قدموه شاهدًا لهم لا عليهم ، وأن يتقبل منهم خالص النيات وصالح الأعمال .
إن اكتمال مشروع سقيا المقابر ليس نهاية الطريق ، وإنما هو بداية لمرحلة جديدة من العمل ، وخطوة أولى في مسيرة نأمل أن تتواصل حتى تبلغ غايتها المنشودة ، فما زالت أمامنا مشروعات أخرى تستدعي تضافر الجهود وتكاتف الأيدي ، وفي مقدمتها تسوير المقابر وصون حرمتها ، وتركيب لافتة تعريفية تليق بالمكان ، وإقامة مصلى ، وكذلك مظلة للاستراحة تقي مرتادي المقابر حرارة الشمس وتقلبات الطقس ، إلى جانب أعمال التشجير التي تضفي على المكان مظهرًا لائقًا وتُسهم في تحسين بيئته .
ومن هنا ، نمد أيدينا إلى أهل الخير والإحسان ، وإلى أصحاب القلوب الرحيمة والأيادي البيضاء ، وإلى أبناء العبيداب وحلفاية الملوك، داخل الوطن وخارجه ، وكل من يحمل في قلبه محبة الخير والرغبة في ترك أثر طيب ، بأن يواصلوا مسيرة العطاء ، وأن يجعلوا من هذا الإنجاز دافعًا لاستكمال ما تبقى من المشروعات ، فالأعمال الكبيرة لا تنهض بجهد فرد واحد ، وإنما تتكامل فيها العزائم ، وتتآزر فيها الإمكانات ، ويصبح القليل كثيرًا حين تجتمع عليه الأيدي وتخلص فيه النوايا .
وليس المقصود من هذه الدعوة تحميل أحد فوق طاقته ، وإنما فتح أبواب الخير أمام الجميع ، فمن استطاع أن يسهم بماله فله ذلك ، ومن استطاع أن يقدم جهدًا أو معدات أو فكرة نافعة ، فذلك باب آخر من أبواب العطاء ، فرب مساهمة صغيرة في نظر صاحبها ، تكون عظيمةً في أثرها، ورب عمل يُقدَّم في الخفاء يكون عند الله أعظم أجرًا وأبقى أثرًا.
وفي جانب لا يقل أهميةً عن ذلك ، نرفع مناشدة صادقة وعاجلة إلى المسؤولين بهيئة الكهرباء ، وبصفة خاصة إدارة مكتب كهرباء حلفاية الملوك ، بضرورة الإسراع في استكمال أعمال توصيل الكهرباء إلى مقابر العبيداب ، نظرًا للحاجة الماسة إلى الإنارة ، وما تمثله من ضرورة لتيسير الوصول إلى المقابر وخدمة مرتاديها ، وتهيئة المكان بما يتناسب مع احتياجاته .
لقد مضت أكثر من ثمانية أشهر ونحن نطرق أبواب الجهات المختصة ، وننتظر اكتمال هذا العمل الضروري ، وقد شهدت الفترة الماضية زيارات ميدانية للوقوف على الاحتياجات ، وهي خطوات نقدرها ونثمنها ، غير أن ما نرجوه اليوم هو أن تنتقل هذه الجهود من مرحلة المعاينة إلى مرحلة الإنجاز الفعلي ، إذ لا تزال أعمال شد الأسلاك وتوصيل الأجزاء المتبقية من الشبكة تنتظر الإكمال ، بعد أن طالها التلف والسرقة خلال فترة الحرب اللعينة ، التي خلفت وراءها أضرارًا طالت المرافق والممتلكات وأثقلت كاهل المواطنين .
ومن هذا المنطلق ، نأمل من إدارة الكهرباء أن تولي هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام عاجل ، وأن تعمل على توفير المعدات والمستلزمات الفنية اللازمة ، واستكمال ما تبقى من أعمال التوصيل ، وصولًا إلى الإنارة الكاملة للمقابر .
إننا إذ نجدد هذه المناشدة ، فإنما نفعل ذلك ثقةً في المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المختصة ، وأملًا في أن تجد هذه الحاجة طريقها إلى المعالجة الجادة ، بعد طول انتظار وتكرار المطالبة ، فالمقابر جزء من نسيج المجتمع ، والعناية بها مسؤولية تتكامل فيها الجهود الشعبية والرسمية ، ولا يكتمل ما نبذله من عمل لتأهيلها إلا بتعاون الجميع ، كلٌّ من موقعه واختصاصه .
وختامًا ، فإن ما تحقق في مقابر العبيداب بحلفاية الملوك يبعث على التفاؤل ، ويؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا في نفوس الناس ، وأن الأيادي البيضاء ، مهما اختلفت إمكاناتها ، قادرة على صناعة الفارق حين تتحد الغايات وتصدق العزائم ، وما مشروع سقيا المقابر إلا شاهد على أن روح التكافل ما زالت حية ، وأن في المجتمع قلوبًا تنشغل بالشأن العام ، وأيادي لا تتردد في البذل متى استدعتها الحاجة .
شكرًا لكل من أعطى ، ولكل من سعىط، ولكل من تابع ، ولكل من دعا بظهر الغيب ، شكرًا لمن اختار أن يكون عطاؤه في صمت ، ولمن بذل من ماله وجهده دون أن ينتظر مقابلًا أو ثناءً ، قد لا تتسع هذه الكلمات لذكر الجميع ، وقد تعجز الذاكرة عن استحضار كل الأسماء ، لكن فضل المحسنين لا يسقط بالنسيان ، ومعروفهم لا يمحوه غياب الذكر ، فالله وحده يعلم خفايا النفوس ، ويحصي الأعمال ، ويوفي كل عامل أجره ، وهو خير من يجزي المحسنين .
نسأل الله أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال ، وأن يجعل ما قدموه صدقةً مقبولةً وأجرًا مدخرًا ، وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين ، ويغفر لهم ، ويوسع مدخلهم ، وينير قبورهم ، ويسكنهم فسيح جنات، كما نسأله أن يبارك في كل جهد مخلص ، وأن يديم بين أبناء المجتمع روابط المحبة والتراحم والتعاون ، وأن يوفقنا جميعًا إلى إكمال ما بدأناه على الوجه الذي يرضيه ،
فالخير الذي يُزرع بإخلاص لا يضيع ، والعطاء الذي يُبذل لوجه الله لا ينفد ، والأثر الطيب يبقى شاهدًا على أصحابه ، وإن غابت أسماؤهم عن الألسن والسطور .
والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وأجر المحسنين .
فاكسات الجمعة
الغلاء الطاحن يتمادي ويتربص بالمواطنين السودانين لدرجة ادخلتهم في صدمة وحيرة من امرهم لينط…





