كل شيء تغير في السودان … إلا عقولنا
نقطة إرتكاز د. جادالله فضل المولى

كل شيء تغير في السودان إلا عقولنا هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا بلا تجميل ولا مجاملة ولا مواربة فالسودان الذي نراه اليوم ليس هو السودان الذي تركناه قبل الحرب لقد تغير كل شيء تغيرت ملامح الخرطوم التي كانت عامرة فصارت أطلالاً تبكي أهلها وتغيرت شوارع أم درمان التي كانت تضج بالحياة فصارت صامتة موحشة وتغيرت بيوت الجزيرة التي كانت خضراء فصارت محترقة حزينة وتغيرت وجوه الناس التي كانت ضاحكة مستبشرة فصارت شاحبة متعبة تحمل هم التشرد والنزوح والفقد وتغيرت حتى نبرة أصواتنا صارت خافتة مكسورة يملؤها الأنين والوجع
كل شيء تغير حتى الأطفال تغيروا كبروا قبل أوانهم وعرفوا معنى الرصاص والقذائف قبل أن يعرفوا معنى الحروف والكلمات وحتى النساء تغيرن صرن يحملن على أكتافهن عبء الرجال وحتى الرجال تغيروا صاروا يبحثون عن مأوى بعد أن كانوا يبنون القصور ولكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو عقولنا
ما زالت عقولنا كما هي بنفس ضيقها وبنفس تحجرها وبنفس عنادها القديم ما زلنا نفكر بنفس الطريقة التي أوصلتنا إلى هذه الحرب ما زلنا نقسم الناس إلى هذا معنا وهذا ضدنا وهذا يستحق الحياة وهذا يجب أن يموت ما زلنا نحمل في صدورنا نفس الحقد القديم ونفس الحسد ونفس الرغبة في الانتقام ونفس الشهوة المجنونة للسلطة.
يا له من حزن عميق أن تدمر الحرب كل شيء فيزيائياً ولكنها تفشل في تدمير أفكارنا الفاسدة يا له من وجع أن تهدم القذائف الجدران والأسقف ولكنها لا تهدم جدران الكراهية التي بنيناها داخل قلوبنا يا له من خذلان أن يموت الآلاف وينزح الملايين ثم نعود بعد كل هذا الدمار لنتصارع على نفس المناصب ونردد نفس الشعارات الكاذبة ونرفع نفس الرايات التي فرقتنا من قبل
كنا نظن أن الحرب ستكون مدرسة قاسية تعلمنا التواضع وتعلمنا أن الوطن أكبر من الحزب وأكبر من القبيلة وأكبر من الشخص كنا نظن أننا حين نرى بيوتنا تحترق سنعرف قيمة الوطن وحين نرى أبناءنا يموتون سنعرف قيمة الإنسان ولكننا لم نتعلم شيئاً عدنا سريعاً إلى نفس المربع الأول هذا يخوّن هذا وهذا يقصي هذا وهذا يريد أن يحكم وحده وكأن شيئاً لم يكن وكأن دماء الشهداء لم تسل وكأن دموع الأمهات لم تجف
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما فعلته في المباني وإنما ما كشفته في النفوس فقد كشفت أننا شعب يحب وطنه حباً شديداً ولكنه لا يعرف كيف يحافظ عليه وكشفت أننا شعب كريم شجاع ولكنه سريع الانفعال سريع الانقسام وكشفت أن عقولنا هي المشكلة الحقيقية وليست مواردنا فالسودان غني بأرضه ونيله وذهبِه ورجاله ولكنه فقير بعقليته التي ترفض التغيير وترفض الآخر وترفض الاعتراف بالخطأ
كل شيء تغير في السودان إلا عقولنا ولهذا السبب أخشى ما أخشاه أن نعيد بناء المباني بنفس العقول القديمة فتنهار مرة أخرى وأن نعيد فتح المدارس بنفس المناهج الفكرية المتحجرة فتخرج جيلاً جديداً من الحاقدين وأن نعيد البوصلة بنفس العقلية الإقصائية فتدخلنا في حرب جديدة.
إن الوطن لا يبنى بالأسمنت والحديد وحده وإنما يبنى بالفكر المستنير والقلب المتسامح والعقل المتفتح فإذا لم تتغير عقولنا فإن كل ما نبنيه اليوم سيهدمه أبناؤنا غداً بنفس الطريقة التي هدمنا بها نحن ما بناه آباؤنا بالأمس
فيا أيها السودانيون إن كنتم تريدون سوداناً حديث حقاً فابدأوا بتغيير عقولكم قبل أن تغيروا بيوتكم وابدأوا بتنظيف قلوبكم قبل أن تنظفوا شوارعكم فالخراب الحقيقي ليس في الخرطوم ولا في دارفور وإنما الخراب الحقيقي في عقولنا التي تأبى أن تتغير.
meehad74@gmail.com
فاكسات الجمعة
الغلاء الطاحن يتمادي ويتربص بالمواطنين السودانين لدرجة ادخلتهم في صدمة وحيرة من امرهم لينط…





