‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. من ضيق المعاش إلى دعوات التحشيد
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان.. من ضيق المعاش إلى دعوات التحشيد

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد   د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست كل الأزمات الاقتصادية مجرد أرقام في نشرات الأسعار، وليست كل دعوات التحشيد استجابة تلقائية لما يراد له عبر الشارع. ففي المسافة بين ضيق المعاش واتخاذ الموقف السياسي، تتداخل المصالح والخطابات وحسابات النفوذ، وقد تتجاوز النتائج ما أُعلن من أسباب التحرك.

 

في السودان، حيث يواجه المواطن أعباء المعيشة وسط تداعيات حرب استنزفت الإنسان والموارد والمؤسسات، يصبح السؤال أكبر من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية كيف تتحول المعاناة الاقتصادية إلى طاقة للتحشيد السياسي؟ ومن يحدد وجهتها، ومن يتحمل تكلفتها، ومن قد يستفيد من مآلاتها؟

هنا تبدأ #أصل_القضية حين تصبح معاناة المواطن مدخلًا للصراع على السلطة، دون ضمانات بأن تنتهي معركته إلى واقع أفضل.

 

*حين يضيق المعاش.. كيف يتشكل التحشيد؟

لا يتحول ضيق المعاش إلى تحشيد سياسي بصورة آلية. فبين المعاناة والاستجابة، تتشكل رواية تفسر الأزمة، وتحدد المسؤول عنها، وتطرح بديلًا للخروج منها. وعندما يلتقي السخط بخطاب قادر على توجيهه، وبجهات تمتلك أدوات التنظيم والتعبئة، يصبح الانتقال من الشكوى المعيشية إلى الموقف السياسي أكثر احتمالًا.

لكن هذا الانتقال لا يعني بالضرورة أن المعاناة مصطنعة، أو أن الاحتجاج موجّه من الخارج فقد يكون الغضب تعبيرًا صادقًا عن مظالم حقيقية، بينما تسعى قوى مختلفة إلى توظيفه لتحقيق أهدافها.

وعليه، فإن تزامن الضغوط الاقتصادية مع دعوات التحشيد لا يثبت وحده وجود مخطط، لكنه يفرض فحص العلاقة بين توقيت القرارات، وطبيعة الخطاب السياسي، ومصالح الأطراف المتأثرة، والنتائج التي قد تترتب على تحرك الشارع. فالمعاناة قد تكون حقيقية، والغضب مشروعًا، لكن توظيفهما السياسي يظل مسألة أخرى تستحق التحليل.

 

*من «تسقط بس» إلى «أختانا».. هل تعلّمنا من التجربة؟*

في ديسمبر 2018، وحّد شعار «تسقط بس» قطاعات واسعة من السودانيين حول هدف إسقاط نظام عمر البشير، وهو ما تحقق في أبريل 2019. لكن سقوط النظام لم يكن كافيًا لبناء انتقال مستقر إذ تعثرت المرحلة الانتقالية، ثم وقع انقلاب أكتوبر 2021، وصولًا إلى حرب أبريل 2023. واليوم، تعود دعوات التحشيد في سياق مختلف، تحت شعار «أختانا» الموجّه إلى البرهان، وسط ظروف اقتصادية وأمنية وإنسانية أشد تعقيدًا.

لا تتطابق التجربتان، ولا يجوز افتراض وحدة دوافع المشاركين أو أهداف الداعين. غير أن المقارنة تكشف سؤالًا لم يفقد راهنيته لماذا نستطيع الاجتماع حول ما نرفضه، ثم نتعثر في الاتفاق على ما ينبغي بناؤه؟

لقد أثبتت التجربة أن إسقاط نظام أو تغيير قيادة لا يضمن وحده قيام مؤسسات مستقرة، ولا يحدد شكل السلطة البديلة أو قواعد إدارتها. فالشعار قد يختصر مطلبًا سياسيًا، لكنه لا يغني عن مشروع يوضح البديل، ويحدد مسؤولياته، ويضع ضمانات تمنع إعادة إنتاج الأزمة.

المشكلة ليست في حق المواطن في التغيير، بل في الفجوة بين القدرة على إحداث التغيير والقدرة على بناء ما بعده.

 

*الاقتصاد.. حين تتقاطع المصالح مع السياسة*

في مقال الأمس، «السودان.. قرارات اقتصادية أم إجهاض تمدد؟»، طرحنا تساؤلات حول العلاقة بين القرارات الاقتصادية وموازين النفوذ. وتكتسب هذه الزاوية أهميتها من أن الاقتصاد ليس مجالًا منفصلًا عن السياسة؛ فالقرارات المتعلقة بالأسواق والموارد ومراكز النشاط الاقتصادي قد تعيد توزيع المصالح، وتنتج رابحين وخاسرين، وتؤثر في حسابات الفاعلين.

وعندما تتزامن هذه التحولات مع ضغوط معيشية متصاعدة ودعوات للتحشيد، يصبح من الضروري اختبار الروابط المحتملة بينها هل تضررت مصالح أطراف بعينها؟ هل تغيّر الخطاب السياسي أو توقيت التحركات على نحو يستحق التفسير؟ هل توجد قرائن على تنسيق المصالح أو توظيف الأزمة، أم أننا أمام مسارات متوازية تتقاطع نتائجها دون تخطيط مشترك؟

الإجابة لا تأتي من الانطباعات، بل من تتبع الوقائع وتسلسلها الزمني، ومقارنة المصالح المعلنة بالنتائج الفعلية، والتمييز بين من صنع الأزمة، ومن استفاد منها، ومن وجد فيها فرصة لإعادة تشكيل النفوذ. فقد تتقاطع مصالح أطراف متعددة دون أن تكون جميعها جزءًا من خطة واحدة؛ كما أن استفادة طرف من نتيجة معينة لا تثبت أنه خطط لها ابتداءً.

 

*المواطن.. صاحب القضية أم وقودها؟*

المواطن الذي يطالب بتحسين معاشه لا يفقد حقه في الاحتجاج، ولا يصبح مسؤولًا عن الأزمات التي لا يملك أدوات التحكم فيها. لكن من حقه أيضًا أن يعرف طبيعة البدائل المطروحة، وأهداف الجهات التي تتبناها، والتكاليف والضمانات المرتبطة بها. فقد يخرج الناس بمطالب مشروعة، ثم تتباعد نتائج التحشيد عن أولوياتهم الأصلية. وقد تتغير القيادة بينما تبقى أسباب الأزمة الاقتصادية والمؤسسية قائمة، فيجد المواطن نفسه أمام دورة جديدة من الوعود والتضحيات.

هنا لا يكون الوعي دعوة إلى السلبية أو التعايش مع الظلم، بل قدرة على التمييز بين عدالة المطلب، ووسيلة تحقيقه، ومصالح القوى التي تتبناه، والمآلات التي قد تنتج عنه. فليس كل من يرفع مطالب الناس يملك بالضرورة مشروعًا يحققها، وليس كل من يستفيد من غضبهم هو من صنع أسباب ذلك الغضب.

 

*ماذا بعد التحشيد؟*

تتوقف المآلات على عوامل يمكن رصدها، لا على الشعارات وحدها. فإذا اتسعت قاعدة المشاركة، وظهرت قيادة قادرة على التنظيم، وبرزت مطالب واضحة وبدائل تحظى بالثقة، فقد تتزايد فرص إحداث تحول سياسي. وإذا بقيت الدعوات محدودة الاستجابة، أو عجزت عن تقديم تصور مقنع لما بعدها، فقد يتراجع زخمها. أما إذا تصاعدت التعبئة في ظل غياب التوافق السياسي واستمرار التدهور المعيشي، فقد تتعمق حالة الاستقطاب وتتزايد هشاشة المؤسسات.

 

هذه مسارات محتملة وليست نتائج محسومة؛ وترجيح أحدها يتطلب متابعة حجم الاستجابة الشعبية، وطبيعة الخطاب، ومواقف الفاعلين، وقدرة المؤسسات على إدارة التوتر.

لكن السؤال الأهم يتجاوز رحيل قيادة أو بقائها هل سيقود أي تحول إلى معالجة جذور الأزمة، أم ستتغير الوجوه بينما تستمر القواعد التي أنتجت الاختلال؟

فالسودان يحتاج إلى مؤسسات تضبط السلطة، وسياسات تحمي المعاش، وقواعد عادلة لإدارة الموارد والمنافسة السياسية، ورؤية تجعل التغيير مدخلًا لبناء الدولة لا بداية لدورة جديدة من الصراع.

 

#أصل_القضية ..

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يضيق معاش المواطن حتى يصبح مستعدًا لدفع أي ثمن للخروج من واقعه، دون أن تتوافر له رؤية واضحة لما ينتظره بعد ذلك.

لذلك، لا يكفي أن نسأل من يريد رحيل البرهان، ومن يريد بقاءه؟ بل ينبغي أن نسأل: ما البديل المطروح؟ وما المصالح التي تتقاطع حول اللحظة الراهنة؟ وما القرائن التي تكشف اتجاهاتها؟ ومن يتحمل كلفة التحولات، ومن يجني ثمارها؟

فالمعاش قد يصبح مدخلًا للتحشيد، والغضب قد يفتح باب التغيير، لكن أيًّا منهما لا يضمن وحده بناء الدولة.

وفي رؤية الجسر والمورد، لا تكتمل قيمة الوعي بمجرد إدراك أسباب الأزمة، بل بامتلاك القدرة على قراءة المسارات، وتمييز المصالح، واستشراف المآلات؛ حتى لا يتحول المواطن من صاحب حق في التغيير إلى مجرد دافع لتكلفته.

‫شاهد أيضًا‬

أساتذة الجامعات والمعلمين..أم المعارك النقابية..وإضراب النفس الطويل

26 أكتوبر 2026م. …………………….. لم تكن هذه الم…