‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. من يحشد المواطن؟
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

السودان.. من يحشد المواطن؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> ليس كل من يقف وسط الجماهير يصل إليها، وليس كل من يخاطب الناس يؤثر فيهم. فالمسافة بين الحضور والتأثير لا تقاس بعدد المصافحات، ولا بعلو الهتاف، بل بما يحدث في وعي الناس بعد انفضاض الحشد.

 

رأينا البرهان في لقاءات ومناسبات عامة، كما شهدنا كامل إدريس وسط المواطنين والحشود. وتختلف هذه المشاهد في سياقاتها ودلالاتها، ولا تكفي وحدها للجزم بما قصده أصحابها أو بما استقر في نفوس المشاركين فيها، لكنها تفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين المسؤول والمواطن.

 

> ماذا يحدث حين يلتقي صاحب السلطة بالمواطن في فضائه اليومي؟ وهل التفاعل مع الرسالة يعني بالضرورة الاقتناع بها؟

 

يمكننا هنا استحضار تجربة باراك أوباما في مخاطبة الجماهير؛ إذ لم يقتصر الأمر على إيصال خطاب إلى حشد كبير، بل امتد إلى ربط القضايا العامة بتجارب الأفراد وإشراك المؤيدين في العمل لتحقيق الأهداف. والمهم ليس استنساخ التجربة الأمريكية، بل فهم العلاقة بين الخطاب والمشاركة والنتيجة.

 

فالمواطن لا يستقبل الرسالة من فراغ؛ بل يفسرها من خلال تجربته ومصالحه ومخاوفه. وقد يهتف شخص تأثر بأجواء اللقاء، ويتبنى آخر مضمون الرسالة، بينما يظل ثالث متحفظًا رغم وجوده وسط الحشد. لذلك، لا يكفي الهتاف لإثبات الاقتناع، ولا يكفي الصمت لإثبات الرفض.

 

وهنا تكتسب الأماكن دلالتها. فالمجالس ليست مجرد أماكن للجلوس، والصفوف ليست مجرد طوابير بل فضاءات تتشكل فيها الانطباعات وتتداول فيها الروايات. لكن الوجود وسط الناس لا يعني تلقائيًا فهمهم، كما أن نجاح المشهد في جذب الانتباه لا يعني نجاحه في معالجة القضية.

وفي مشاهد الحشود، تبرز مسألة تستحق التوقف فعندما تُطرح رسالة بشأن وجود أزمة أو انتفائها، فإن الهتافات المصاحبة للمشهد لا تحسم المسألة في أي من الاتجاهين. فالحكم على الواقع يحتاج إلى أدلة وبيانات وتجربة معيشية يمكن التحقق منها، لا إلى استنتاجات مستمدة من استجابة جماعية عابرة.

 

فالواقع لا يتحدد بالهتاف الذي يصفه، بل بالوقائع التي تثبته.

وفي السودان، حيث تتداخل الأزمات المعيشية مع الاستقطاب السياسي، لا ينبغي أن ينحصر السؤال فيمن استطاع جمع الناس أو انتزع استجابتهم. الأهم أن نفهم كيف تشكلت هذه الاستجابة، وما الذي تعنيه، وهل بقي لها أثر بعد انتهاء اللقاء.

ومن منظور «الجسر والمورد»، فإن القضية ليست البحث عن خطاب أعلى صوتًا أو حضور أكثر جاذبية، بل فهم كيف يلتقي الهدف العام بتجربة المواطن، وكيف يتحول التواصل إلى فرصة للفهم والمشاركة، لا مجرد مشهد ناجح أمام الكاميرا.

فالحشد قد يمنحك صورة عن الناس، لكنه لا يمنحك بالضرورة فهمًا لهم؛ والهتاف قد يرفع صوت الرسالة، لكنه لا يثبت أنها أصبحت قناعة.

وفي بلد يحتاج إلى استعادة الثقة، علينا أن نطرح السؤال الأصعب هل نريد مواطنًا يحضر المشهد ويردد الرسالة، أم مواطنًا يفهم الواقع ويحكم على الرسالة ويحاسب صاحبها على النتائج؟

فمن يستطيع حشد المواطن قد يكسب انتباهه للحظة أما من يظن أن تلك اللحظة تعني امتلاك وعيه، فقد أخطأ قراءة المواطن قبل أن يقرأ المشهد.

في #أصل_القضية نعبر بالوعي.. ونبني بالأمل.

‫شاهد أيضًا‬

لماذا الاعتداء على الأطباء 

يقول خبر اليوم: (الإعتداء على طبيبة بمستشفى الدامر وإغلاق قسم النساء والتوليد). لا أود الخ…