الوعي الاستراتيجي.. حين تتحول الخدمات إلى جبهات قتال
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

لم تعد الحرب التي يخوضها السودان حرباً تقليدية تقاس بمدى تقدم متحرك أو تراجع قوة، ولم تعد تدار بمنطق الخنادق والبنادق وحده، لقد انتقلت الحرب إلى طور أشد خبثاً وأعمق أثراً، طور يدرك فيه العدو أنه عجز عن كسر إرادة الجيش في ميدان المواجهة المباشرة، فقرر أن يلتف على هذه الإرادة ليكسرها في ميدان آخر، هو ميدان حياة الناس اليومية ، وهي جبهة لا تقل خطورة ولا قدسية عن جبهات القتال الأمامية.
إن العدو حين يعجز في الميدان، يحاول إسقاط معنويات الأمة خلفه، وهو لا يعلم أن المواطن السوداني الذي يصبر على دوي المدافع سوف لن يهزم ويصبر على ظلام دامس ليست لأيام وإنما لسنين ، وأن الأسرة التي تتحمل أصوات الرصاص لاتنهار حين ينقطع عنها الكهرباء، لذلك فإن استهداف محطات الكهرباء ليس عملاً تخريبياً عشوائياً، بل هو عقيدة قتالية متكاملة، عقيدة تهدف إلى تحويل معاناة الشعب إلى سلاح ضغط على جيشه، وتحويل صبر الناس إلى أداة لفرض الاستسلام، ومن هنا يجب أن يتغير وعينا الاستراتيجي جذرياً في التعامل مع هذه المرافق.
يجب أن ننظر إلى كل محطة توليد كهرباء على أنها موقع عسكري سيادي، إن العقلية التي تدير هذه المرافق يجب أن تكون عقلية عسكرية بحتة، لا عقلية موظف خدمة مدنية، فالمهندس الذي يعيد تشغيل محطة كهرباء تحت القصف هو اليوم مجاهد لا يقل شأناً عن الجندي الذي يحمل سلاحه في الخطوط الأمامية، والموقع الذي يعمل فيه هو موقع عمليات سري، لا يجوز كشفه ولا تداوله.
وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي نمارسه بحسن نية، حين ننشر خبراً نطمئن به الناس فنقول جارٍ العمل على إصلاح المحطة الفلانية وسيعود التيار خلال ساعات، نحن في حقيقة الأمر لا ننشر خبراً، نحن نقدم إحداثية مجانية للعدو، نحن نقول له لقد أخطأت هدفك بضعة أمتار، أو لقد أصبته لكن الضرر لم يكن كافياً، عُد مرة أخرى وأكمل مهمتك، إن ذكر اسم المحطة وموقعها وزمن الإصلاح المتوقع وأسماء المهندسين وصور فريق الصيانة وهو يعمل، كل هذا ليس سبقاً صحفياً، بل هو تقرير استخباري متكامل يقدمه المواطن للعدو دون أن يشعر، ليقيم به العدو فعالية مسيراته ومدى نجاح مخططه في خنق الشعب.
إن المعلومة في زمن الحرب سلاح، والصمت سلاح، والكلمة قد تقتل أكثر مما تقتل الرصاصة، فكما أننا لا ننشر تحركات الجيش وخطط عملياته ومواقع ارتكازاته بدعوى الشفافية، فإنه من باب أولى ألا ننشر تفاصيل إصلاح البنية التحتية التي أصبحت هي الهدف الأول للعدو، إن حماية المعلومة المتعلقة بالخدمات هي جزء أصيل من حماية الأمن القومي، وليست ترفاً إدارياً أو تكتماً غير مبرر.
إن المطلوب اليوم هو عقيدة صمت واعية، عقيدة تدرك أن السكوت عن إصلاح محطة كهرباء هو عمل مقاوم، وأن كتمان موعد عودة الكهرباء هو مشاركة في المعركة، وأن منع التصوير في محيط المنشآت الخدمية ليس تضييقاً على الحريات، بل هو إغلاق لثغرة يتسلل منها العدو، يجب أن يتعامل كل مواطن مع هاتفه كسلاح، فلا يصور، ولا يحدد موقعاً، ولا ينشر تفاصيل، ويجب أن يتعامل الإعلام بمسؤولية تاريخية، فيدرك أن خبراً عاجلاً عن عودة التيار قد يكون سبباً في انقطاعه للأبد.
إن المعركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومن يفهم أن الخدمات أمن قومي، فقد وضع قدمه على طريق النصر، فما لا يقال يحمي، وما ينشر يقتل، والنصر في النهاية لمن صمت حين كان الصمت جهاداً، وتكلم حين كان الكلام سلاحاً.
meehad74@gmail.com
مجلس أمناء الصندوق بالقضارف يوصي بتبني مشروعات استثمارية وتفعيل دور المجتمع
أوصى مجلس أمناء الصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية القضارف بتبني مشروعات استثمارية يخصص ر…





