حكاوي من كريمي والبركل عادل عسوم (بعض ذكريات مدرسة كريمة الثانوية العليا، وقصة نيمة مطافي كريمة)

معلوم أن “حكاية” تُجمع جمع تكسير على “حَكايا”، وتُجمع جمع مؤنث سالم على “حكايات”، لكنني آثرت تسمية هذه السلسلة ب”حكاوي” ليتاسب الاسم مع اللهجة التي كتبتها بها وهي لهجة أهلي الشايقية.
وهذه الحكايات حقيقية،
وكلها مشاهد علقت بالذاكرة خلال الطفولة والصبا، وقد عمدت إلى تغيير بعض الأسماء وبعض التفاصيل بما يستلزمه النشر.
مسرح هذه الحكايات كريمة والبركل وماحولهما من القرى على امتداد منحنى النيل، والعنوان مقصود لذاته، لكون مفردة كريمي بإمالتها لها وحيها الذي لاتخطئه الأذهان.
إلى الحكاية:
الزمان، بداية الثمانينات، كنت حينها طالبا في مدرسة كريمة الثانوية، اعتدنا ارتياد سوق كريمة خلال عصاري الخميس بعد انتهاء اليوم الدراسي، لكننا -وضمير الجمع يشمل عددا من الزملاء من (داخلية) المدرسة التي قضيت فيها فترة-، وأحايين كنا نزوغ من الفصل عندما يكون اليوم يوم قيام القطر، وللذين يحبون الفصحى فإن أحايين هي جمع الجمع ل(أحيانا)، كنا نتخير الحصص (الفاضية) وما أكثرها، إذ عاد معظم الأساتذة المصريون إلى بلدهم ولم يبق منهم سوى استاذ اللغة الفرنسية وهو مسيحي اسمه برسوم ملاك، قال أحد الاساتذة منهم قبل سفره:
– دي مش قمهورية السودان الديمقراطية، دي أحسن يسموها قمهورية (مافي) الديمقراطية، فقد كان ساخطا من ندرة السلع في سوق كريمة، ما ان قال ذلك سبقنا للاعتراض عليه زميل دراسة من أبناء الحامداب وأظن اسمه الخضر وتشاجر معه، وعندما اصدر الأساتذة امرا إلى الصول بعقابه رفض السيد الوكيل ابراهيم احمد طه رحمه الله والملقب ب(التكاسي) معاقبة زميلنا الخضر وحل المشكلة دون عقاب، ولعل السيد الوكيل خشي من نذر عصيان منا بعد أن شرعنا في الهتاف ضد الأساتذة المصريين وضد مصر، والحق يقال كان التكاسي اداري من الطراز الفريد عليه رحمة الله.
البعض منا اعتاد الخروج من البوابة الرئيسة بعد أن يتولى احدنا إشغال عمنا كمبلاوي البواب رحمه الله، والرجل نظره ضعيف لكبر سنه، وآخرون يعمدون إلى التسجيل في دفتر العيادة للذهاب إلى مستشفى كريمة ومنها يكبون الزوغة إلى السوق وموقف القطر، ومنا من يقد السلك في الناحية التي تلي صالة الطعام من بعد مغافلة الصول، يوم قيام القطر يوم مابيتفوت كما اعتاد القول زميلنا الحلفاوي توفيق، وموعد قيام القطر يكون في الفترة التي تلي صلاة الظهر إلى موعد آذان العصر، وكثيرا ما يكون لأحدنا فيه مسافر يسعى لوداعه، اما الآخرون ففي جاه الملوك يلوكون…
ايامها كانت اغنيات القطر قاجة، منها ماتعة محمد كرم الله (ياحليلا بلا عدل قالوا شالا قطار اللحد)، وكذلك اغنية لصديق احمد، وثالثة لإدريس ابراهيم، ورابعة للنعام آدم رحمهم الله، ندندن بهن ونحن نحث الخطى من مباني المدرسة الرابضة في اعالي كريمة، وحيدة لاتجاورها من أعلاها سوى (التُرة)، ومن لايعرف الترة يمكنه الاستدلال عليها بقراءة كتاب الراحل الطيب محمد الطيب (الانداية)، ومبنى المدرسة اصبح الآن يتوسط المدينة بعد ان تجاوز العمران طريق عربات المحيلة الذاهب إلى دنقلا وحلفا…
ما ان تقع أعيننا على القطر الممد في دعة على القضيب؛ إلا وتتغشانا مشاعر وأحاسيس شعراء اغنيات القطر، يتقمص المرء منا حال الحبيب المستهام وهو يودع حبيبته التي يخالها في احدى غرف نوم القطر برفقة عريسها مسافرة لقضاء شهر العسل، كيف لا وجل -ان لم يكن كل- اغنيات السفر تتحدث عن (الشواكيش × شواكيش)!
لعمري لقد أسهم الشعراء والفنانون من حيث يدرون ولايدرون في صنع أجيال مشوكشة وجالدة للذات، وان كان الكثير منا حينها لم يكن يعرف شيئا عن عوالم النساء!…
والبعض منا ما إن يرى القطر إلا ويحمله جناح الأمل والعشم إلى ركوبه يوما إلى العاصمة، فيتغشاه ماتغشى اسماعين ودحد الزين عندما كتب (واااا أسفاي)، وما كان ذلك قاصرا علينا نحن الشباب، انما كان حلما كذلك للصبايا/الفتيات كما عبر عن ذلك الشاعر مدني ابنعوف وصدح بها (صمد) فناني الطنبور صديق احمد حيث غنى وقال على لسان احداهن:
بلالي متين يجي
آآآيمة
الله إن جابك يا عشاي
جيبلي راس سكر وتمنة شاي
نصو للبنوت المعاي
ونصو لي أمي حبيبة قساي
بلالي متين يجي آآآيمة
الرسول يا ود عمتي
إن دُرتَ راحتي
إن دُر جمتي
رسل التسريح اللجي
بلالي متين يجي آآآيمة
نركب البيسابق الريح
نمشي في الخرطوم نستريح
الخدامة تسوي التبيخ
وكل جمعة نزور الضريح
بلالي متين يجي آآآيمة
الرسول يمة البدايي
قولوا لامي ماني جايي
كنا نشرب لبن السعايي
بقينا نشرب لبن الشرايي
الميي بالماسورة جايي
تبيخنا في الحلة أم غتايي
بلالي متين يجي آآآيمة
…
نطوف بعربات القطر عربية عربية، والبعض منا -وهم قلة- ييممون إلى مطعم عوض يحي فينعمون بغداء شهي من السمك او صحن شية كارب، ومنا من كان يمر على عزيزة وهي درويشة اتخذت جميزة ظليلة تقع في مبتدر سوق كريمة التحت بعد ان تتخطى قضيب القطر، وقد ذهبت الجميزة مع الريح برفقة صاحبتها إلى ربها، عزيزة رحمها الله تطلب منا قرش واحد، (أديني قرش)، فإن زادها احدنا تعيد له نقوده وتبقي القرش، تأخذ قرشها وتأوي إلى الجميزة، وماكانت تحتاج إلى الصرف على طعامها وشرابها هي وابنها، إذ لسان حالها كلسان حال مريم ابنة عمران عندما قالت لزكريا عليهما السلام:
{…كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
فما اصحاب المطاعم يجعلونها تضطر إلى الذهاب إليهم والسؤال، انما يرسلون لها الطعام في مكانها…
قبل تلملم الشمس توب مرقتها مؤذنة بالمغيب نعود أدراجنا إلى اعالي المدينة حيث تربض مدرستنا (سجن أيوب) عليه السلام…
ومن ذكريات هذا السجن النبيل الجمعية الأدبية التي تشرفت برئاسة لجنتها طوال سنوات الدراسة، وبرفقتي صديقي العزيز (الطبيب الآن) احمد عبدالرزاق وهو من ابناء منطقة كوري، وكذلك زميل الدراسة (جنابو) محمد احمد القطين رحمه الله الذي راس شرطة كريمة لسنوات، وكان المشرف على الجمعية من الاساتذة استاذ محمد الأمين رحمه رحمه الله وهو من منطقة تنقاسي على ما اظن، هذه الجمعية اسماها البعض سوق عكاظ لما كانت تذخر به من مثاقفة تتخلل كلمات الزملاء من الطلبة وهم يحومون بالناس في شتى دروب وفضاءات المعرفة والعلوم، وكم كان ذلك عسيرا حينها والبشرية لم تعرف عوالم الشبكة العنكبوتية فلاقوقل ولا أيما محرك بحث آخر!، وان نسيت فلن أنس الزميل والصديق (والطبيب لاحقا) أمين طه منصور، فقد كان مهموما بالقضية الفلسطينية، يكتب عنها في كل يوم انعقاد للجمعية موضوعا، واختار الله الدكتور أمين طه منصور إلى جواره وهو في ريعان شبابه مع بدايات تعيينه طبيبا في احدى مناطق شرق السودان، وكان ذلك خلال حادث حركة أليم، اللهم اغفر لعبدك أمين وارحمه وافتح له في مرقده بابا من الجنة لايسد، ويوم يلقاك اسألك ياربي ان تهبه لذة النظر الى وجهك الكريم، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
ومن ذكريات عوالم مدرسة كريمة الثانوية اذكر انني في احدى إجازاتي الأول خلال دراستي للبكالوريوس بجامعة ام القرى في مكة المكرمة؛ التقيت بالأخ الفاضل مجذوب حسين (لاعب فريق البركل لكرة القدم) الكاتب والمسؤل عن المطبوعات في مدرسة كريمة الثانوية، التقيته في بنطون مروي ومعه شخص آخر يحملان كمية من المطبوعات في طريق العودة إلى المدرسة في كريمة، فأخبرني بأنها مطبوعات للمدرسة ومنها اوراق امتحانات يأتي دوما لطباعتها في مروي لانتفاء وجود طابعة في المدرسة! لكم ان تتخيلوا يا أحباب بأن الطابعة المقصودة هي الطابعة اليدوية الزمااان ديك التي تطبع الكلمات حرفا حرفا!، دمعت عياني والله وانا أراهما، فما كان مني إلا العودة إلى الخرطوم فلم أجد طابعة واحدة اشتريها، وعند عودتي خلال إجازتي التالية جئت من مكة إلى جدة ودلني الاخوين العزيزين مامون علي جكنون والاخ جابر ميرغني البدوي على وكيل الطابعات فاشتريت طابعتين وسلمت احداهما إلى مدرسة كريمة الثانوية والثانية إلى إدارة مدرسة البركل المتوسطة، وكم سعدت عندما ذكرني بهذه الطابعة أحد ابناء البركل النجباء وهو الدكتور احمد السر العمدة الذي يعمل الآن طبيبا اختصاصيا في احدى مستشفيات مدينة الجبيل هنا في المنطقة الشرقية، قال لي بأن اساتذة المدرسة طوال فترة دراسته ظلوا يذكرون اسمي بسبب هذه الطابعة لما يسرته للمدرسة والعديد من المدارس المجاورة من خدمة…
من ذكريات سوق كريمة (نيمة مطافي كريمة)، في ظل هذه النيمة وخارج سور المطافي المصنوع من شرائح صفيح علب الصلصة حينها، كانت هذه الشرائح من منافع مصنع تعليب الخضر والفاكهة في كريمة أيام الزمن زين، تجدها في كل البيوت ينسجها الأهالي نسجا فيصنعون منها بيوت/ كفايات الجداد، وجدران مراحات الغنم، وكذلك السلال والحقائب وما أجملها، وغير ذلك كثير.
أمام سور المطافي هذا وفي ظل هذه النيمة تأتي دوما شابة جميلة (لعلها من بنات البركل تحت أو الناصراب)، تلبس توب أبيض وتحمل في حقيبة بيدها مجموعة من كتب ورسائل الجمهوريين (جماعة محمود محمد طه)، ثم تقف بجوار النيمة وتتحدث إلى المارة من مرتادي السوق والمسافرين عن فكر محمود محمد طه، وقد وقعت عيني على مجموعة من (مساعدي اللواري والبصات) يتجمهرون -دوما- في هذا المكان خلال فترة مابعد الظهر، وعندما سألت عن السبب؛ تبين لي بأنهم ينتظرون هذه الشابة.
دفعني حب الاستطلاع والفضول يوما فجئت إلى المكان في الموعد المحدد، وبالفعل بدأ مساعدوا اللواري في التوافد ومنهم من تحلقوا لتناول وجبة الغداء في ظل النيمة، ثم شرعوا في شرب الشاي، والكل ترى في وجهه مشاعر الذي يتوقع بداية مباراة لفريقه الذي يشجعه، أو الذي يود مشاهدة مسرحية على خشبة المسرح القومي، ضحكاتهم تتعالى، ويدور همس بين بعضهم لم أكن اتبين تفاصيله، وإذا بالشابة تتهادي متخطية قضيب السكة الحديد من جهة السوق التحت، وإذا بالوجوه يكتنفها بِشْرٌ لاتخطئه عين، فاتجهت إلينا باسمة وبادرت احد المساعدين وهو من أهل مورة قائلة:
أها يا (حسن النوبة) جبت ليك الكتاب، وتناوله الكتاب والسعادة تغمره وكأنه أهدي له بوكيه ورد مغلف بورق السلوفان، وشرع القوم في طرح الأسئلة وهي تجيبهم باسمة لمدة لاتقل عن نصف ساعة، واحبابنا المساعدين يروح من يروح منهم إلى لوريهو أو بصه ثم يجئ مسرعا ليسأل ما عنّ له من سؤال، وبيني وبينكم لم يكن بين كل الاسئلة سؤال واحد تتلمس فيه سعي من صاحبه إلى فائدة، ووااااضح أن المقصد الأوحد هو إبقاء الشابة أكبر فترة ممكنة للنظر إليها وتجاذب أطراف الحديث معها وان كان من خلال أسئلة عن الفكر الجمهوري، وقد تأكدت من ذلك من خلال أحاديثهم مع بعضهم بعد غادرت الشابة.
وإلى الحكاية القادمة ان شاء الله.
adilassoom@gmail.com
السودان.. أمانة الأجداد في أعناق الأحفاد، ونداء الواجب في أزمنة المحن
الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية تحدها خطوط الطول والعرض، وليس مجرد جواز سفر نحمله في حقائبنا…





