‫الرئيسية‬ مقالات تحليل سياسي واقتصادي حكومة التأسيس والدعم السريع في دورى الفاينل   إلهام سالم منصور
مقالات - سبتمبر 1, 2025

تحليل سياسي واقتصادي حكومة التأسيس والدعم السريع في دورى الفاينل   إلهام سالم منصور

منذ إعلان ما يُعرف بـ”حكومة التأسيس بدت المؤشرات واضحة أن هذه البنية السياسية تفتقر إلى الركائز الأساسية التي تؤهلها للاستمرارية أو الحصول على الشرعية. فغياب الاعتراف الدولي من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة،

 

والاتحاد الإفريقي، لم يكن محض صدفة، بل انعكاس مباشر لضعف الأساس الذي قامت عليه هذه الحكومة، سواء من حيث التوافق الداخلي أو من حيث شرعية تمثيلها للشعب السوداني.

لقد زادت حدة الانقسامات الداخلية بعد التصريحات الأخيرة للقيادي ياسر عرمان، التي عرّت هشاشة التحالفات داخل هذه الحكومة وكشفت أن مشروعها السياسي يقوم على مصالح آنية لا على مشروع وطني جامع. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لحكومة غير معترف بها دوليًا ومفككة داخليًا أن تصمد أمام التحديات المتصاعدة؟

المشهد العسكري والإقليمي

اندلاع الحرب بين دولة جنوب السودان ومليشيات الدعم السريع فتح جبهة جديدة لم تكن في الحسبان. فالدعم السريع، الذي ظل لسنوات يعتمد على التحالفات الخارجية والإمدادات العسكرية، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة ليس فقط مع القوات المسلحة السودانية، وإنما أيضًا مع أطراف إقليمية بدأت تدرك خطورته على استقرار المنطقة.

الهزائم المتلاحقة التي مُنيت بها مليشيات الدعم السريع أمام الجيش السوداني والقوات المساندة، انعكست بصورة مباشرة على قدرتها في المناورة، وجعلتها في موقف دفاعي بحت. وهنا لا يمكن إغفال دور أبناء دولة جنوب السودان الذين بدأوا يواجهون هذه المليشيات عند تخوم الحدود، الأمر الذي يشير إلى بداية تشكل تحالف إقليمي صامت ضد وجود هذه القوة غير النظامية.

دور القوى الدولية والإقليمية

الولايات المتحدة الأمريكية: تنظر إلى الوضع في السودان باعتباره جزءًا من استراتيجيتها الأوسع في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ورغم رفضها الاعتراف بحكومة التأسيس، إلا أنها تسعى إلى منع تمدد النفوذ الروسي والصيني في السودان.

الاتحاد الأوروبي: يراقب بقلق تطورات الأزمة، خاصة فيما يتعلق بتداعيات الهجرة غير الشرعية واللاجئين، ويضغط في اتجاه تسوية سياسية تضمن استقرار الحدود ومنع انهيار الدولة.

روسيا: تحاول تعزيز وجودها عبر التعاون العسكري والبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر، الأمر الذي يزيد تعقيدات المشهد ويثير حفيظة الغرب.

الإمارات: اتُهمت بدعم بعض الفصائل والمليشيات لتحقيق مصالح اقتصادية مرتبطة بالذهب والنفوذ الإقليمي، وهو ما أضعف موقفها أمام الرأي العام السوداني.

مصر: تتعامل مع الملف السوداني باعتباره قضية أمن قومي، فاستقرار السودان يعني استقرار حدودها الجنوبية، ولذلك تدعم الجيش السوداني باعتباره الضامن الوحيد لوحدة السودان ومنع تمدد الفوضى.

الاتحاد الإفريقي: ما زال يتخذ موقفًا متحفظًا، لكنه يرفض الاعتراف بحكومة التأسيس، ويدعو باستمرار إلى حوار شامل يفضي إلى انتقال سياسي يعكس تطلعات الشعب السوداني.

الأثر الاقتصادي للأزمة

لا يقتصر الصراع على أبعاده السياسية والعسكرية، بل يمتد ليضرب قلب الاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلًا من أزمات متراكمة:

الذهب: يمثل الذهب المورد الأهم للسودان، إلا أن سيطرة مليشيات الدعم السريع على مناطق التعدين خلقت اقتصادًا موازيًا يضعف موارد الدولة ويغذي الحرب. ومع اشتداد المعارك وتراجع نفوذ المليشيات، تبرز فرصة لإعادة هذه الثروة إلى خزانة الدولة إذا ما حُسم الصراع لصالح المؤسسات الشرعية.

الزراعة: أدت الحرب إلى نزوح مئات الآلاف من المزارعين وتعطيل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مما ينذر بأزمة غذاء إذا لم تتم معالجة الأوضاع الأمنية.

الاستثمار الأجنبي: انعدام الاستقرار السياسي والأمني جعل السودان بيئة طاردة للاستثمارات، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. القوى الإقليمية والدولية تترقب نهاية الصراع لتحديد إن كانت ستغامر بضخ استثمارات جديدة أم لا.

العملة والتضخم: التدهور الاقتصادي المستمر، مع طباعة النقود بلا غطاء، أدى إلى انهيار العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما فاقم معاناة المواطن السوداني البسيط.

انهيار مشروع التأسيس

كل هذه المتغيرات – من الانقسام الداخلي، مرورًا بفقدان الاعتراف الدولي، وصولًا إلى الانهيارات الاقتصادية والميدانية – تضع ما يُسمى بحكومة التأسيس في وضع يقودها إلى الانهيار. فالحكومات التي تُبنى على تحالفات هشة ومصالح ضيقة دون مشروع وطني شامل، غالبًا ما تنهار مع أول اختبار حقيقي.

إلى أين تتجه الأمور؟

المعطيات الراهنة ترجّح أن مليشيات الدعم السريع تسير نحو نهايتها. فهي تُستنزف عسكريًا، وتفقد مواردها الاقتصادية تدريجيًا، وتُحاصر سياسيًا على المستويين الإقليمي والدولي. ومع استمرار هذا المسار، قد نشهد تحولات جذرية تفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة السودانية على أسس مؤسسية قوية.

لكن، يظل المشهد السوداني معقدًا ومفتوحًا على احتمالات متعددة، بفعل التدخلات الخارجية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صراع على هوية الدولة السودانية واقتصادها ومكانتها الإقليمية. ومع كل يوم يمضي، تتأكد الحقيقة: المليشيات إلى زوال، والدولة لا تُبنى إلا بالمؤسسات الشرعية، وسيبقى صوت الوطن هو الأعلى مهما تعاظم الضجيج.

‫شاهد أيضًا‬

توازن القوى ….الحرب الايرانية الإسرائيلية         ليس هناك مكان للصدف

وانتم تقراءون هذا المقال لابد ان تكونوا مدركين لمعني مقولة لست هنالك مكان للصدفة في السياس…